الجمعة، 17 أكتوبر 2014

طبت حياً و ميتاً يا جمال يا حبيب الملايين .

الجمعة، 27 سبتمبر، 2013

=================
اليوم 28 سبتمبر 2013 تمُر الذكرى الثالثة و الأربعون لرحيل رجُل لم تشهد له مصر و الأُمة العربية مثيلاً في العصر الحديث ، ففي يوم الإثنين الثامن و العشرين من سبتمبر عام 1970 و في تمام الساعة السادسة و الرُبع مساءاً، و كانت ليلة الإسراء و المعراج ، لبى إبن مصر البار جمال عبد الناصر نداء ربه و صعدت روحه إلى بارئها عن عُمر يُناهز الثانية و الخمسون فقط !
مازلتُ أذكُر – بكثير من المرارة و الأسى – ذلك اليوم جيداً ، بدأ الأمر بأن فوجئنا بالتلفزيون " العربي " – كما كان يُسمى تلفزيون مصر في تلك الحقبة – يقطع برامجه العادية و يبدأ في إذاعة تلاوة قرآنية متواصلة لبضع ساعات ، ثُم أطل علينا نائب رئيس الجمهوية أنور السادات ليُلقي بياناً مُقتضباً حرص على أن يكسوه بنبرة حزينة أذكُر من كلماته قوله : فقدت مصر و الأُمة العربية رجُلاً من أغلى الرجال و أعز الرجال و أشجع الرجال ، فقدت قائدها و مُعلمها و زعيمها جمال عبد الناصر ... و لا أظُن أن كثيرين تمكنوا يومها من الإستماع لبقية البيان حتى يتذكروا باقي كلماته ، فقد غرقت مصر و الأُمة العربية و العالم الثالث كُله في لحظة واحدة في بحر من الدموع و الصراخ و عدم التصديق ، إكتست مصر و الأمة العربية بالسواد و إمتلأت الشوارع بالحشود و الهتافات : ما نصدقش ما نصدقش ، عبد الناصر لسه ما متش ، 9 و 10 بايعناك ، ليلة الإسرا ودعناك ، يا خالد قول لأبوك 100 مليون بيودعوك ، ظلت الحشود هائمة في الشوارع طيلة الليل ، و في ساعاته الأخيرة سمعت بأذناي من ميدان عابدين صوت الجماهير و قد إنتظم في لحن حزين : الودااااع يا جمااال يا حبيب الملايين ... الوداع 
ثورتك ثورة كفاح عشتها طوووول السنين ... الوداع 
إنت عايش في قلوبنا يا جمال الملايين .... الوداع 
إنت ثورة ، إنت جمره ، عشتها طوووول السنين ... الوداع .....
من أين أتت الكلمات ، و كيف جاء اللحن ؟ و كيف إنتظمت كُل هذه الحشود فيما يُشبه الكورال المُحترف ؟ لا يدري أحد ، و قد قيل فيما بعد و على عُهدة بعض الشهود أن لفنان السمسمية البورسعيدي المُخرج عبد الرحمن عرنوس دور في صياغة اللحن و الكلمات بشكل فوري .
أيام ثلاث ثقيلة مرت و الملايين تجوب الشوارع غير مُصدقة في إنتظار يوم الجنازة التي تم تحديد موعدها بعد ثلاثة أيام حتى تتمكن الوفود و الرؤساء و الملوك من أنحاء العالم من الحضور ، على مدار تلك الأيام الثلاث زحفت الحشود من كافة أنحاء مصر إلى العاصمة لحضور الجنازة ، إكتظت بهم القطارات و إعتلوا أسطحها ، و سقط البعض تحت عجلاتها صريعاً ! 
و في اليوم المشهود حملت طوافة عسكرية جُثمان الزعيم و هبطت به إلى باحة مجلس قيادة الثورة المُجاور لكوبري قصر النيل بالجزيرة ، وضع النعش الملفوف في علم الجمهورية العربية المُتحدة ، علم مصر عبد الناصر ، على عربة مدفع حربية ، و تقدمه تشكيل من رجال الجيش يحملون الأوسمة و الأنواط التي إستحقها جمال عبد الناصر من مُعظم دول العالم ، و خلف العربة و في الصف الأول للمُشيعين إصطف جميع رؤساء و ملوك و أُمراء الدول العربية ، و عدد كبير من رؤساء و ملوك دول العالم شرقه و غربه ، و كبار رجال الدولة المصرية و أبناء الزعيم و أشقاءه ، و خلفهم الجماهير التي قُدرت وقتها بحوالي خمس ملايين مُشيع ( كان تعداد مصر حوالي 30 مليون و مازالت جنازة عبد الناصر مُسجلة في موسوعة جينيس كأكبر تجمُع بشري في التاريخ حيث لم يكن خالد يوسف قد ولد بعد تقريباً !!! ) و كان مُخططاً أن تسير الجنازة بالخطوة الجنائزية لمسافة مُحددة ثُم يُنقل النعش في سيارة إلى مثواه الأخير في القبر المُعد بجوار مسجد كان عبد الناصر قد إنتهى من بناءه بمنشية البكري لكن حدث أمران غيرا من تلك الخطط : الأول أنه ما أن تحرُكت الجنازة لبضع عشرات من الأمتار حتى تدافعت الجماهير محاولة الوصول إلى نعش الزعيم فغلب الزحام على الرؤساء و الملوك و إضطر الأمن إلى " إخلاءهم " من الجنازة ونقلهم عبر قوارب نيلية بعيداً عن الحشود ، والأمر الثاني أن رجال الجيش و الجماهير وراءهم أصروا على السير بالجنازة على الأقدام و بذات الخطوة الجنائزية من نقطة بدايتها بجوار بمجلس قيادة الثورة حتى تصل إلى المسجد بمنشية البكري و هو ما تم بالفعل !
حين حضر شواين لاي رئيس وزراء الصين إلى مصر لحضور الجنازة خاطب رجال الدولة المصريين غاضباً : رجُل كهذا كيف تتركونه يموت ؟!!!
حين بلغ الخبر ريتشارد نيكسون رئيس الولايات المُتحدة الأمريكية في ذلك الوقت و كان على سطح إحدى حاملات الطائرات في البحر المتوسط يحضر مناورات حربية للأسطول السادس ، حين بلغه خبر رحيل ناصر أمر بإنهاء المناورات قائلاً : لم يعد لها داع فالذي أردنا أن نسمعه أصوات مدافعنا قد رحل !!!
رحل جمال عبد الناصر و مرت عقود أربعة جرت فيها كثير من المياه في جميع الأنهار ، و شُنت ضده حملات إن كان لها أول فليس لها – بعد – آخر ، و لعل ما هو أسوأ من حملات الهجوم و التشويه – فيما أرى – حملات إستغلال إسمه و تاريخه و رصيده الذي لا يبدو أنه ينفذ لدى الجماهير بمن فيهم من ولدوا بعد رحيله ، أقول حملات إستغلال كُل ذلك في معارك اليوم غير المُقدسة ! فنرى خصومه يستدعون أخطاءه – فهو لم يكُن معصوماً بالطبع – ليهيلوا بها التُراب على كامل التجربة الناصرية التي هي أنبل و أنجز ما مر بمصر و الأمة العربية في العصر الحديث ، و ليقطعوا الطريق على أي محاولة للعودة إلى جادة صواب الخط الناصري .
و نرى آخرين - هُم في حقيقتهم خصوم أيضا لخيارات عبد الناصر و إنحيازاته السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية – يرتدون مسوح عبد الناصر و يُتاجرون بصراعات مرحلية كان لها ظروفها التاريخية ليفرضوها على واقعنا الحاضر ليضربوا بها خصومهم السياسيين !!!
أو يُركزوا على خلفية عبد الناصرالعسكرية ليؤسسوا لفاشية عسكرية هي أبعد ما تكون عن تاريخ جمال عبد الناصر و تجربته الحية الغنية ، و لعل أربعة عقود من الثورة المُضادة و التشويه و التزوير لتاريخ عبد الناصر لم تُسبب في النفس من الألم – و قد سببت الكثير منه – قدر ما سببه كيل المديح له مؤخراً من سياسيين و كُتاب و رسامي كاريكاتير يحفل تاريخهم بمواقف و مقالات و رسوم تُهاجم عبد الناصر و تُسيء إليه بل تنفُث كراهية له و لتجربته الخالدة ، لكنهم اليوم يمدحونه ليقرنوا بينه و بين هذا المسخ أو ذاك ممن إبتلى بهم الله مصر مؤخراً لحكمة يعلمها سبحانه وحده !
فنراهُم يُشبهون به هذا القزم أو ذاك سواء كان مدنياً أو عسكرياً في سياق خداع جماهير لها ذاكرة السمك من شعب مدحت العدل المُختار !!!
لكن مصر – رغم كُل هذا الغُثاء – في ذكرى جمال عبد الناصر الثالثة و الأربعين مازال فيها من يضع صورته في بيته و في محل العصير الذي يملكه ، و في مقهاه الكائن بإحدى عشوائيات عصر مُبارك و على فاترينة الفريسكا التي يجوب بها شوارع عصر "الإنفتاح " ، مازال فيها فلاح بسيط يُصرح لإحدى الفضائيات : عبد الناصر ده كان ولي من أولياء الله الصالحين .( هكذا بالنص ) ...
في ذكرى الرجُل تُغريني " أوهامي " أن أُناشد الجميع أن يحترموا جلال الذكرى و يكُفوا – و لو قليلاً – عن إبتذال إسم الرجُل و ذكراه و تجربته الرائدة في معاركهم غير المُقدسة حول إفتراس الوطن الذي عاش و مات من أجله القائد و المُعلم و الزعيم جمال عبد الناصر .
طارق فهمي حسين 
28 سبتمبر 2013

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق