الأربعاء، 31 يوليو 2019

مش عارف !

مش عارف !
======

قالولي: بتحب مصر ؟ قُلت: مش عارف .
" تميم البرغوثي "
================================

أدخُل إلى أحد مكاتب " الهيئة العامة للتأمينات الإجتماعية " فأرى جُدراناً حائلة و وجوهاً كالحة و أرفُف من الصاج الذي يعلوه الصدأ مُكدسة بالملفات الورقية المُهترئة و الواصلة حتى ما قبل السقف بقليل .
أدخُل إلى أحد فروع البنك الأهلي المصري فأجد إضاءة مُبهرة و ديكورات حديثة و جومُنعش بفضل أجهزة التكييف الحديثة عالية الكفاءة هادئة الصوت ، و موظفين يرتدون زياً موحداً شديد التأنُق و تعلو وجوههم ملامح الثقة بالنفس و لا يتحدثون إلا همساً، و تُزين مكاتبهم أحدث أجهزة الحاسب الآلى و مُلحقاته .
لكن هُنا و هناك : في مكتب التأمينات البائس ، و فرع البنك اللامع يجمع بين الجميع و يوحد بينهم نفس الأداء البائس و العقليات المُتحجرة و الفهم البطيء و المرونة الغائبة !!!
***

مُنذ بضعة أيام حضرتُ - بعد طول امتناع - إجتماعاً لسُكان العمارة التي أُقيم بها علي مدار ثلاثين عاماً حتى الآن ، كان للإجتماع دعوة مطبوعة و موزعة على جميع السُكان مُحدداً بها موعد الاجتماع و جدول أعماله ، و رغم ذلك حضر الاجتماع حوالي خمسة أو ستة من السُكان البالغ عددهم أكثر من أربعين ( العمارة ٤٨ شقة ) ، أما عن جدول الأعمال و الاقتراحات المطلوب مناقشتها لمواجهة مشاكل حقيقية و مُلحة منها مثلاً فاتورة المياه الضخمة و المُتصاعدة القيمة التي تُطالب بها شركة المياه ، و مسألة " تأمين " العمارة بعد واقعة سرقة عجلات سيارة أحد السُكان من داخل جراج العمارة ، و إضاءة الممرات بعد واقعة ظهور شخص غريب في الظلام محاولاً التحرُش بإحدى البنات ، و التي لم ينقذها سوى صراخها العالي ، و الذي - بالمُناسبة - لم ينتج عنه أن هب أحد لإنقاذها ، و إنما فقط أفزع المُتحرش فهرب من تلقاء نفسه ! رغم أهمية المسائل المطروحة إلا أن المُجتمعين ( القلائل ) لم يتمكنوا من المُضي قُدماً في مُناقشة هذه البنود و غيرها ، إذ فرض نفسه علي الموقف عراك لفظي حاد بين إثنين من الحاضرين ( تجاوز كلاهُما سن السبعين ) وصل إلى حد التهديد بالذبح من جانب ، و بتحرير المحاضر و رفع القضايا من الجانب الآخر ، كما أن أحد الحاضرين خلال محاولته التهدئة فقد هو الآخر أعصابه و اشتبك لفظياً مع أحد الطرفين ثُم ااضطر للإنسحاب بعد أن ظهرت عليه بوادر أزمة صحية إذ يُعاني من مشاكل بالقلب !
***

كُنتُ علي مدار حُكم أنور السادات ثُم تابعه ُحسني مُبارك من الرافضين لسياسات و توجهات الحُكم سياسياً و اقتصادياً و اجتماعياً ، و ظللتُ عقوداً غير قادر علي استيعاب فكرة أن يحكمنا مثل هؤلاء و ينجحوا في الاستقرار علي كراسي السُلطة طيلة هذه العقود ، ثُم واجهتُ نفسي بحقيقة أن الغالبية العُظمى منا كمصريين ، على الأقل في هذه الحقبة من الزمن ، " تتمتع " بتشكيلة من أسوأ الصفات و الطباع و السلوكيات ، و أن اللامُبالاة و الأنانية و غياب روح الجماعة ، و عدم احترام القانون و عدم احترام الآخرين ، و أكل الحقوق و عدم النظافة و الإلتزام ، و غياب قيمة الإتقان في العمل و الوفاء بالوعود و احترام المواعيد ... و قائمةٌ طويلة من النقائص و المثالب ، فواجهت نفسي بحقيقة أن شعباً هذا حاله لا يستحقُ إلا حُكاماً كهؤلاء ، و أنه من الطبيعي و المتوقع ألا يصعد لسدة الحُكم علينا إلا من يشبهوننا ! لكن ، و فجأة ، أشرقت شمسُ ٢٥ يناير ساطعة و رأينا مصريين مختلفين تماماً يفترشون الغبراء و يلتحفون السماء و لا يُغادرون الميادين مُطالبين بحقهم و حقنا جميعاً في " العيش و الحُرية و العدالة الإجتماعية و الكرامة الإنسانية " و يبذلون في سبيل ذلك كُل نفيس حتى الروح ذاتها فرأينا الشباب العُزل يقفون كالبنيان المرصوص في مواجهة الرصاص الحي لايتلقونه إلا بصدورهم و نور أعينهم ، و لا يردون عليه إلا بالهتاف للوطن و الأمل و الغد المنشود و بالطبع المُطالبة برحيل الأمس البغيض و من يُمثلونه !
فمن أنتُم أيُها المصريون ؟ من نحن ؟ أهولاء أم أولئك ؟
***

في الأيام الأولى بعد رحيل رأس النظام في ١١ فبراير الشهير ، و على مدار مالايزيد - في تقديري - عن إسبوعين شهدت و شاهد غيري لمعة الأمل في العيون ، رصدتُ مثلاً سائقي الميكروباص ، و الذين قادوا مسيرة الإنهيار المروري في الشارع المصري علي مدار عقود ، و تبعهم أغلبنا سواء راكبين أو مُشاة ، رأيتُ هؤلاء السائقين في تلك الفترة يقودون بهدوء و التزام و وجوه مُبتسمة ، و معتذرة إذا لزم الأمر ! ، و رأيت و رأينا جميعاً الشباب يكنسون الشوارع و الميادين و يُخططون حواف الأرصفة ، كما رأيتُ موظفي الدواوين الحكومية في الأماكن التي ترددتُ عليها في تلك الفترة مثل إحدى إدارات المرور مثلاً ، رأيتهم بعيني يتعاملون ببشاشة ، وُينجزون مصالح المواطنين دون تلكؤ أو تذمُر ( رغم أنه لم يطرأ أي تغيير في ظروفهم المعيشية أو في ظروف مكان العمل الصعبة ) ، و رأيت بعيني موظفين بعينهم كانوا لا يخطون خطاً في ورقة قبل أن يحصلوا على"حقهم المُكتسب" في الرشوة مُحددة التسعيرة ، رأيت هؤلاء ينجزون مصالحنا دون تلقي أية رشوة أو اجتراء على المُطالبة بها تصريحاً أو تلميحا ً ، وإن كُنت - وقتها - ألمح في عيونهم نظرات ترقُب مشوب بالغيظ !
***

جرت في النهر مياهاً كثيرة ، و غابت شمسُ يناير خلف غمامةٌ كبيرة ، و عاد الكُل " إلى مقاعدهم " بأحكام "قضائية " و في الخلفية ، بل في المُقدمة " هدير الدبابات و أزيز المروحيات !
و كذا عاد موظف التأمينات و موظف البنك كتفاً بكتف ، و معهُم الناسُ في الشوارع ، راكبين و راجلين ، و في المدارس : طُلاباً و مُعلمين ، و في المُستشفيات : مرضى و مُعالجين ، و الجيران في الأحياء و البيوت و في كُل مناحي الحياة في هذا البلد المكلوم ، عادوا يُمارسون بدأب اليائسين كُل ما يجعل الحياة على أرض هذا البلد أكثر صعوبة و أكثر قُبحاً ، و بقيت فئةٌ محدودة من العالقين بين شقي الرحى ( قدرهُم يوماً صديقٌ شاعر بأنهُم نحو المائة ألف مُتحدثاً عمن يقرأون و يتذوقون الشعر و الإبداع عموماً  ) بقي هؤلاء يحاولون إتقان ما يصنعون ، و يلتزمون قواعد المرور في الشوارع مُشاةً كانوا أم راكبين ، و لا يلقون بورقة على أرض الطريق ، و لايرشون أو يرتشون ، و لايزعجون جيرانهم ، و لا يأملون سوى في حياةٍ طيبة ، أو موتٍ كريم ، فقط يؤرقهم سؤال تميم البرغوثي ، و الذي امتشقه من أعماق وجدان هؤلاء :

قالولي: بتحب مصر ؟
قُلت: مش عارف !

طارق فهمي حسين.
٣١ يوليو ٢٠١٩

الخميس، 6 يونيو 2019

أمير القلوب


أمير القلوب 
 ====

أدهشني وساءني للغاية إستنكار البعض لظهور نجمنا الجميل محمد صلاح في الصور مع أمير القلوب محمد أبو تريكة ،إستناداً للفرية التي أطلقتها سُلطات الأمن في مصر وحدها بأن محمد أبو تريكة " إرهابي " وأطلق الإعلام الرسمي ( في مصر وحدها أيضاً ) أبواقه ترويجاً لها ، وإن كان هذا غير مُستغرب على هذه السُلطات الأمنية والإعلام التابع لها ، فإني أراه مُستغرباً جداً من بعض الناس - ومنهُم مُتعلمين - إذ يتعاملون مع هذه الإكذوبة السلطوية وكأنها حقيقة مُسلم بها ، وكأنهُم لم يعرفوا محمد أبو تريكة ، ولم يخبروه لاعباً نجماً وإنساناً مُحترماً مُتديناً سوياً مُلتزماً في كُل سلوكياته كلاعب وإنسان ، فضلاً عن أعماله الخيرية وأدواره الإنسانية محلياً وإفريقياً ودولياً ، مُتجاهلين ماقدمه لمصر ولناديه ولمُجتمعه ، ومُتجاهلين مكانته واحترامه عربياً وإفريقياً ودولياً حتى هذه اللحظة ، فأين عقولكُم ، بل أين قلوبكم وفطرتكم السليمة ؟ !!!
وبالمُناسبة فإن محمد صلاح هو الذي سأل المُذيع الذي أجرى معه لقاءاً سريعاً في الملعب بعد المُباراة مُباشرةً : " أبو تريكة فين ؟ " ذلك لأنهُما أصدقاء ولأن صلاح يعرف لأبوتريكة مكانته كنجم كبير ومثل أعلى يتطلع إليه كُل لاعبي الكُرة ، بل كُل الرياضيين ، والشباب عموماً ،المصريين والعرب والأفارقة بل وفي أماكن كثيرة من العالم كمثال للجمع بين الموهبة والجدية والدأب والإلتزام والخُلق الرفيع داخل وخارج الملعب .
وأخيراً - للتذكرة - ( إفتح الرابط أدناه )

 ===================

الأربعاء، 9 يناير 2019

٩ يناير

٩ يناير
====

اليوم هو التاسع من يناير ، عيد السد العالي ، يوم من أيام الإرادة الوطنية ، السد العالي ليس هو " الهرم الرابع " كما يتصور الذين يصفونه بهذا الوصف ظانين أنهُم بذلك يُمجدونه ، لا والله فتلك الأهرامات اثلاثة لم تكُن سوي مقابر لثلاثة من الملوك الحُكام الفراعنة ، بُنيت بالسُخرة لتمجيد شخص الفرعون وتخليده ،على حد ما اعتقد ، وأنا لا أقصد نفي العظمة عن أهرامنا العضيمة ولا التقليل من شأنها كآثار خالدة بالفعل تُسفر عن مجد المصريين كأعظم البُناة في التاريخ ، لكن هيهات أن أُبخس من قدر السد العالي لأوافق علي "أقزمته " و تشبيهه بالأهرامات .
السد العالي هو رمزٌ للنماء والخير الوفير ، ورمز للإرادة المصرية الصلبة في مواجهة أعتى قوى الإستعمار في ذلك الزمن الذي إتخذ فيه الشعب المصري بقيادة جمال عبد الناصر قراره ببناء السد العالي ، وهو أيضاً رمزٌ حقيقي للأخذ بأسباب العلم وداسات الجدوى والجدية التامة في التخطيط والبناء ، ورغم كُل ما حققه السد العالي ، ويُحققه لمصر حتي يومنا هذا من أسباب الحياة والنماء ، فإن هذا السد العظيم لايعمل اليوم بالحد الأدني من طاقته المؤهل لها ، علي الأقل على مُستوى إنتاج الكهرباء ، وذلك بسبب مالم يعُد خافياً علي أحد مما تعرض له السد وتوربيناته وخطط صيانته على يد سُلطة أنور السادات وأذنابه من بعده ، وليس بعيداً ذلك اليوم الذي أخرس فيه "جنرال ٣ يوليو " وزيره للكهرباء وانفعل عليه حين تفوه بمعلومة أن السد العالي قد خرج تماماً من الخدمة بالنسبة لإنتاج الكهرباء !!!
لكن هذا وذاك وغيرهم كثير سيذهبون ، وسيتبوأون مكانتهم المُناسبة من التاريخ ، وستطويهم قيعان النسيان ، وسيبقى المصريون أعظم بُناة التاريخ والحضارة ، وسوف يعود السد العالي ليُغدق خيراته علي الوادي راداً الجميل لبُناته وأحفادهم ، وسيبقى جسم السد العالي أفضل تمثال يُمكن صُنعه للرجُل الذي بناه بسواعده العارية وإرادته الحديدية
كُل عام ومصر وبنائيها بخير وعزةٍ وسلام .

طارق فهمي حسين
يناير ٢٠١٩