مش عارف !
======
قالولي: بتحب مصر ؟ قُلت: مش عارف .
" تميم البرغوثي "
================================
أدخُل إلى أحد مكاتب " الهيئة العامة للتأمينات الإجتماعية " فأرى جُدراناً حائلة و وجوهاً كالحة و أرفُف من الصاج الذي يعلوه الصدأ مُكدسة بالملفات الورقية المُهترئة و الواصلة حتى ما قبل السقف بقليل .
أدخُل إلى أحد فروع البنك الأهلي المصري فأجد إضاءة مُبهرة و ديكورات حديثة و جومُنعش بفضل أجهزة التكييف الحديثة عالية الكفاءة هادئة الصوت ، و موظفين يرتدون زياً موحداً شديد التأنُق و تعلو وجوههم ملامح الثقة بالنفس و لا يتحدثون إلا همساً، و تُزين مكاتبهم أحدث أجهزة الحاسب الآلى و مُلحقاته .
لكن هُنا و هناك : في مكتب التأمينات البائس ، و فرع البنك اللامع يجمع بين الجميع و يوحد بينهم نفس الأداء البائس و العقليات المُتحجرة و الفهم البطيء و المرونة الغائبة !!!
***
مُنذ بضعة أيام حضرتُ - بعد طول امتناع - إجتماعاً لسُكان العمارة التي أُقيم بها علي مدار ثلاثين عاماً حتى الآن ، كان للإجتماع دعوة مطبوعة و موزعة على جميع السُكان مُحدداً بها موعد الاجتماع و جدول أعماله ، و رغم ذلك حضر الاجتماع حوالي خمسة أو ستة من السُكان البالغ عددهم أكثر من أربعين ( العمارة ٤٨ شقة ) ، أما عن جدول الأعمال و الاقتراحات المطلوب مناقشتها لمواجهة مشاكل حقيقية و مُلحة منها مثلاً فاتورة المياه الضخمة و المُتصاعدة القيمة التي تُطالب بها شركة المياه ، و مسألة " تأمين " العمارة بعد واقعة سرقة عجلات سيارة أحد السُكان من داخل جراج العمارة ، و إضاءة الممرات بعد واقعة ظهور شخص غريب في الظلام محاولاً التحرُش بإحدى البنات ، و التي لم ينقذها سوى صراخها العالي ، و الذي - بالمُناسبة - لم ينتج عنه أن هب أحد لإنقاذها ، و إنما فقط أفزع المُتحرش فهرب من تلقاء نفسه ! رغم أهمية المسائل المطروحة إلا أن المُجتمعين ( القلائل ) لم يتمكنوا من المُضي قُدماً في مُناقشة هذه البنود و غيرها ، إذ فرض نفسه علي الموقف عراك لفظي حاد بين إثنين من الحاضرين ( تجاوز كلاهُما سن السبعين ) وصل إلى حد التهديد بالذبح من جانب ، و بتحرير المحاضر و رفع القضايا من الجانب الآخر ، كما أن أحد الحاضرين خلال محاولته التهدئة فقد هو الآخر أعصابه و اشتبك لفظياً مع أحد الطرفين ثُم ااضطر للإنسحاب بعد أن ظهرت عليه بوادر أزمة صحية إذ يُعاني من مشاكل بالقلب !
***
كُنتُ علي مدار حُكم أنور السادات ثُم تابعه ُحسني مُبارك من الرافضين لسياسات و توجهات الحُكم سياسياً و اقتصادياً و اجتماعياً ، و ظللتُ عقوداً غير قادر علي استيعاب فكرة أن يحكمنا مثل هؤلاء و ينجحوا في الاستقرار علي كراسي السُلطة طيلة هذه العقود ، ثُم واجهتُ نفسي بحقيقة أن الغالبية العُظمى منا كمصريين ، على الأقل في هذه الحقبة من الزمن ، " تتمتع " بتشكيلة من أسوأ الصفات و الطباع و السلوكيات ، و أن اللامُبالاة و الأنانية و غياب روح الجماعة ، و عدم احترام القانون و عدم احترام الآخرين ، و أكل الحقوق و عدم النظافة و الإلتزام ، و غياب قيمة الإتقان في العمل و الوفاء بالوعود و احترام المواعيد ... و قائمةٌ طويلة من النقائص و المثالب ، فواجهت نفسي بحقيقة أن شعباً هذا حاله لا يستحقُ إلا حُكاماً كهؤلاء ، و أنه من الطبيعي و المتوقع ألا يصعد لسدة الحُكم علينا إلا من يشبهوننا ! لكن ، و فجأة ، أشرقت شمسُ ٢٥ يناير ساطعة و رأينا مصريين مختلفين تماماً يفترشون الغبراء و يلتحفون السماء و لا يُغادرون الميادين مُطالبين بحقهم و حقنا جميعاً في " العيش و الحُرية و العدالة الإجتماعية و الكرامة الإنسانية " و يبذلون في سبيل ذلك كُل نفيس حتى الروح ذاتها فرأينا الشباب العُزل يقفون كالبنيان المرصوص في مواجهة الرصاص الحي لايتلقونه إلا بصدورهم و نور أعينهم ، و لا يردون عليه إلا بالهتاف للوطن و الأمل و الغد المنشود و بالطبع المُطالبة برحيل الأمس البغيض و من يُمثلونه !
فمن أنتُم أيُها المصريون ؟ من نحن ؟ أهولاء أم أولئك ؟
***
في الأيام الأولى بعد رحيل رأس النظام في ١١ فبراير الشهير ، و على مدار مالايزيد - في تقديري - عن إسبوعين شهدت و شاهد غيري لمعة الأمل في العيون ، رصدتُ مثلاً سائقي الميكروباص ، و الذين قادوا مسيرة الإنهيار المروري في الشارع المصري علي مدار عقود ، و تبعهم أغلبنا سواء راكبين أو مُشاة ، رأيتُ هؤلاء السائقين في تلك الفترة يقودون بهدوء و التزام و وجوه مُبتسمة ، و معتذرة إذا لزم الأمر ! ، و رأيت و رأينا جميعاً الشباب يكنسون الشوارع و الميادين و يُخططون حواف الأرصفة ، كما رأيتُ موظفي الدواوين الحكومية في الأماكن التي ترددتُ عليها في تلك الفترة مثل إحدى إدارات المرور مثلاً ، رأيتهم بعيني يتعاملون ببشاشة ، وُينجزون مصالح المواطنين دون تلكؤ أو تذمُر ( رغم أنه لم يطرأ أي تغيير في ظروفهم المعيشية أو في ظروف مكان العمل الصعبة ) ، و رأيت بعيني موظفين بعينهم كانوا لا يخطون خطاً في ورقة قبل أن يحصلوا على"حقهم المُكتسب" في الرشوة مُحددة التسعيرة ، رأيت هؤلاء ينجزون مصالحنا دون تلقي أية رشوة أو اجتراء على المُطالبة بها تصريحاً أو تلميحا ً ، وإن كُنت - وقتها - ألمح في عيونهم نظرات ترقُب مشوب بالغيظ !
***
جرت في النهر مياهاً كثيرة ، و غابت شمسُ يناير خلف غمامةٌ كبيرة ، و عاد الكُل " إلى مقاعدهم " بأحكام "قضائية " و في الخلفية ، بل في المُقدمة " هدير الدبابات و أزيز المروحيات !
و كذا عاد موظف التأمينات و موظف البنك كتفاً بكتف ، و معهُم الناسُ في الشوارع ، راكبين و راجلين ، و في المدارس : طُلاباً و مُعلمين ، و في المُستشفيات : مرضى و مُعالجين ، و الجيران في الأحياء و البيوت و في كُل مناحي الحياة في هذا البلد المكلوم ، عادوا يُمارسون بدأب اليائسين كُل ما يجعل الحياة على أرض هذا البلد أكثر صعوبة و أكثر قُبحاً ، و بقيت فئةٌ محدودة من العالقين بين شقي الرحى ( قدرهُم يوماً صديقٌ شاعر بأنهُم نحو المائة ألف مُتحدثاً عمن يقرأون و يتذوقون الشعر و الإبداع عموماً ) بقي هؤلاء يحاولون إتقان ما يصنعون ، و يلتزمون قواعد المرور في الشوارع مُشاةً كانوا أم راكبين ، و لا يلقون بورقة على أرض الطريق ، و لايرشون أو يرتشون ، و لايزعجون جيرانهم ، و لا يأملون سوى في حياةٍ طيبة ، أو موتٍ كريم ، فقط يؤرقهم سؤال تميم البرغوثي ، و الذي امتشقه من أعماق وجدان هؤلاء :
قالولي: بتحب مصر ؟
قُلت: مش عارف !
طارق فهمي حسين.
٣١ يوليو ٢٠١٩