الاثنين، 1 يونيو 2020

مصرُ التي...

مصرُ التي...
هل هذه مصرنا؟ هل هذا هو الوطن الذي تتغنى به الأناشيد، وكنا صغارا ننتظم في طابور المدرسة في بكور الصباح ترتعش أجسادنا الضعيفة من البرد وتشرئب أعناقنا نحو رايته وهي ترتفع فتعلو حناجرنا بالنشيد وبالهتاف بحياته؟ هل هذا عيشنا؟ هذه الأم المستلقية فوق الرصيف في شهر رمضان تحت اسوار السجن العالية في انتظار رؤية ابنها السجين بلا تهم سوى حب الوطن، ولتحاول إدخال بعض أدنى ضروريات الإبقاء على الحياة إليه، هذه الأم اسمها: ليلى سويف؛ الأستاذة الدكتورة ليلى مصطفى سويف… لن أسهب في شرح من تكون لمن لا يعرفها، أو من يتظاهر بعدم معرفتها، أو من ينتحل معرفة بها عبر ما تبثه فضائيات وصحف صفراء من أكاذيب… فقط ، وقبل أن ينبري هذا أو تلك لكتابة تعليق أو آخر مستندا لجهل أو تجهيل أتى ثماره ؛ أرجو ان تتمهل وتفتح أولا محرك بحث جوجل أو سواه وتكتب الإسم:د. ليلى سويف، وبعد أن يتوفر لك بعض العلم بمن تكون، اكتب: د. مصطفى سويف… ثم أعد على نفسك بكل هدوء سؤالي: هل هذه مصرنا؟ هل هذا هو الوطن الذي ننشده وتبذل من أجله النفوس؟

طارق فهمي حسين
مايو ٢٠٢٠

#جورج_فلويد.

لم يكُن مقتل المواطن الأمريكي " من أصل إفريقي" چورچ فلويد الحادث الأول من نوعه في الولايات المُتحدة الأمريكية، ولن يكون الأخير، بل أنه - في هذه اللحظة- لم يكُن بالفعل الأخير، حيثُ سقط بالأمس أحد المُتظاهرين قتيلًا برصاص الشُرطة أثناء مُظاهرات الاحتجاج على مقتل فلويد.
وليس مُسلسل القتل - خاصة تجاه الملونين( كما يسمونهم)- ليس سلوكًا شاذًا عن سياق منظومة المفاهيم والقيم التي تُشكل جوهر المُجتمع الأمريكي الذي تأسس علي جُثث أكثر من مائة مليون من السُكان الأصليين للقارة الجديدة، وبرغم مرور العقود والقرون، وبرغم ادعاءات تجاوز العُنصرية لدى " الرجُل الأبيض" كما أطلق علي نفسه، وكما جسده الشاعر الاستعماري كيبلينج في قصيدته الشهيرة، والبغيضة، " عبء الرجُل الأبيض"، رغم تلك الادعاءات، ورغم كُل مساحيق التجميل التي يضعها" العم سام" علي وجهه القبيح، مثل أن تحرص السينما الأمريكية على تصوير أسرة سعيدة من زوج أبيض وزوجة "سوداء" أو العكس، أو رئيس أسود في الشُرطة مثلًا ومرؤوسين بيض( ولا أقول أنه لا يحدُث في الواقع)، أو منح جُل جوائز الأوسكار في أحد الأعوام لفنانين من أصل إفريقي، ووصولًا لانتخاب رئيس من أصل إفريقي( وأصل مُسلم بالمرة) ، أقول رغم كُل هذه المُحاولات للتجمُل، إلا أن الطبع الأصيل في " الرجُل الأبيض" الأوروبي الذي غزا قارة وأباد شعبها، هو طبع مُتأصل ليس فقط تجاه الأفراد، وإنما تجاه الدول والشعوب الأُخرى ، وأدولف هتلر وحزبه النازي ، لم يكن شذوذًا عن قاعدة ما، وإنما هو فقط خرج عن النص حين امتدت عُنصريته وإحساسه بالتفوق لتشمل بني جنسه من الأوروبيين لا أكثر فيغزو بلادهم، وهُم من اعتادوا- في العصر الحديث- أن يغزوا الآخرين ولا يغزوهم أحد، ولو كان هتلر قد التزم بالنص واحتفظ بالمعايير العُنصرية التي تعتنقها أوروبا والولايات المُتحدة ولم يشطط عنها، لكان له اليوم تمثال في كُل عاصمة أوروبية وولاية أمريكية!
الولايات المُتحدة تأسست أصلًا، إلى جانب إبادة الشعب الأصلي صاحب الأرض، على جُثث الملايين من الأفارقة المُختطفون من بلادهم والمنقولون عنوة إلى القارة الجديدة ليحفروا المناجم ويزرعوا الأرض ويمدوا خطوط السكك الحديدية كعبيد ضمن نظام من أبشع نُظم العبودية في التاريخ وكأنما يربطه حبل سري مُمتد بزمن سبارتاكوس العبد الثائر!
حين كانت السُفن التي تحمل الأفارقة المُختطفين من بلادهم في أصفاد الرق البغيضة، حين كانت تتعرض لعاصفة في عرض المُحيط أو لمشاكل ملاحية ما، كانت تُخفف من حمولتها بإلقاء عدد من " العبيد " في المُحيط، فضلًا عمن كانوا يموتون جرّاء سوء التغذية و" النقل والتخزين"!!!
إبراهام لينكولن الذي يصفونه بـ" مُحرر العبيد" تم اغتياله، وهو بالمُناسبة، ألغي الرق رسميًا لكنه لم يلغ العُنصرية والفصل العُنصري.
الأركان العُنصرية الاستعمارية التي تأسست عليها الدولة الأمريكية تُفسر بسهولة ووضوح أسباب الانحياز التام والدعم الكامل غير المشروط للكيان الصهيوني مُنذ نشأته، ففي الضمير الجمعي الأمريكي تستقر قناعة بأنه هكذا تتأسس الدول، وأن الإحساس بالتفوق المدعوم بالقوة العسكرية مُبرر " أخلاقي " كافٍ لإبادة الآخرين وانتزاع أوطانهم! لذا فإن أوهام" تحييد " أمريكا، أو التطوع بعرض " النفس" كبديل للدور الصهيوني في المنطقة العربية، هي محض أوهام في خيالات بعض ممن ابتلينا بهم من حُكام على مدار عقود المحنة العربية الفلسطينية.
وأنا هُنا لا أصم كُل مواطن أمريكي أبيض بهذه التوجهات والمعتقدات العُنصرية علي سبيل الحصر، وإنما أتحدث، كما أسلفت، عن" الضمير الجمعي" ، والمزاج العام، والذي يعود بقوة باتجاه الجذور العُنصرية المؤسِسة، ويتبدى ذلك في العقود الأخيرة والتي أوصل فيها الناخب الأمريكي إلى سدة الحُكم عددًا من أبناء" مدرسة شيكاجو" ممن يُعرفون بالنيو ليبرال، أمثال ريجان وبوش الأب والابن ومن على شاكلتهم، حتى وصل الأمر إلى ذروته باختيار دونالد ترامب الذي تتمثل فيه، وعلى نحو كاريكاتوري عبثي كُل "القيم" التي أتحدث عنها، ولعلها رُب ضارة نافعة، فلرُبما كانت الولايات المُتحدة بحاجة للقيادة العبثية الفجة لترامب علها تعود إلى "رُشدها" الذي أشُك أصلًا في وجوده، وإلا فهي بداية النهاية لإمبراطورية لن يفتقدها العالم إذا اختفت كسابقاتها في التاريخ، بل في ظني أنه سيكون عالمًا أقل قبحًا في غياب العم سام، حتي وإن استغرق هذا الاضمحلال والاختفاء عقودًا فهنيئًا وقتها لمن سوف يشهدون ذلك العالم.
وجريمة مقتل هذا المواطن الأمريكي الذي اختُطف أجداده من إفريقيا ليعمروا الأرض ليسكُنها رجُل "كيبلينج" الأبيض، وإن كانت تبدو جريمة" داخلية" تخُص المُجتمع الأمريكي، إلا أنها تكشف ملمحًا للتركيبة كُلها، وتفسيرًا- ضمن تفسيرات أُخرى كثيرة- للسلوك لأمريكي الفظ والفج والإجرامي تجاه العالم، وكيبلينج نفسه أفصح عن حقيقة يتعامى عنها الكثير من الناس حين قال أن:" الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا أبدًا"، كما أن زعيم ثورة إيران آية الله الخميني رحمه الله لم يُجانبه الصواب حين وصف الولايات المُتحدة بـ " الشيطان الأعظم"، وإن كُنت أميلُ أيضًا إلى تحذير شاعرنا محمود درويش حين قال: " أمريكا هي الطاعون، والطاعونُ أمريكا".
طارق فهمي حسين
شوّال ١٤٤١/ مايو ٢٠٢٠
==============