الأحد، 7 أكتوبر 2018

فانتازيا

                                                                 فانتازيا          
                                                                   ===



في عُجالة ( نظراً لضيقي الشديد بالحديث في مثل هذا الأمر لكثرة مايدور فيه من غُثاء القول من كُل الأطراف )  أقول أنني - للأسف - لا أملك من العلم والتفقه في ديني ، و لعله كان ينبغي علي ذلك ، ما يجعلني أتصدر للإفتاء بلزوم الحجاب علي المرأة المُسلمة ، كما لا أملك الوقاحة الكافية لأجزم بعدم لزومه أيضاً دون يقين ناجم عن بحث جاد ، وأحمد الله أن خلقني رجُلاً  مما أعفاني من البحث والاجتهاد للوصول إلى حقيقةٌ قطعية في هذا الشأن الذي يخُص المرأة المُسلمة وحدها ، وكان الله في عونها في سعيها - إن سعت - للوصول إلى قرار حاسم في هذا الأمر فتُلزم نفسها به في الدُنيا وتتحمل - وحدها - تبعاته في الآخرة ، ومع ذلك أرى " رجالاً " كثيرين مُسلمين وغير مُسلمين ، ومعهم نساء غير مُسلمات مُنشغلين أيما انشغال بهذا الأمر ، بدلاً من أن يحمدوا الله الذي أخرجهم من دائرة النساء أو أخرجهُم وأخرجهُن من دائرة الإسلام ، فأعفانا - رجالاً مُسلمين وغير مُسلمين ونساءاً غير مُسلمات - من هذا الجدل !!!
وأنا مثلاً علي المُستوى الشخصي أنعم علي الله بزوجة وأخت شقيقة ، واحدةٌ منهُما مُحجبة ، والأُخرى ليست كذلك ، كلتاهُما أُحب ، وبكلتاهُما أفخر وأُباهي الدُنيا ، بل و  بكلتاهُما " أحتمي " في كثيرٍ من الأحيان . ولستُ أنا من نصح هذه بالحجاب أو أنكر علي تلك السفور ، لكني بالطبع كمصري عربي مُسلم نشأ في الطبقة المتوسطة في عصر كانت هذه الطبقة هي الدرع الحامي لقيم مُجتمعنا المصري العربي الشرقي ، وكإبن لعاصمة الألف مئذنة و لي جذور ريفية - كمُعظمنا - وجذور أُخرى تنتمي إلى أعرق أحياء القاهرة وأكثرها شعبية وأصالة ، فأنا بالتأكيد وبكُل تلك الخلفيات يؤنسني الإحتشام في المظهر والجوهر والسلوك  ( باستثناء سنوات المُراهقة والجموح والرعونة الجميلة المؤسفة ) ، وفي بلدنا هذا وزمننا هذا بما يسوده من فانتازيا أرى كثير من النساء المُحتشمات في الحجاب وبدونه ، وأري من هُن لسن كذلك  على الإطلاق  وأيضاً في الحجاب وبدونه ! 
لكن كُل ماسبق ليس هو موضوع البوست الذي زعمتُ أنه يسكون في " عُجالة " ففشلت !
إنما موضوع البوست يمس " مُعسكر " الحجاب نفسه ، ذلك " الحجاب " الذي عاصرته وأنا طالب بالثانوي في بدايات السبعينيات بدايات ظهوره وانتشاره ببُطء في القاهرة وكافة مُدُن مصر بعد أن كان وجوده الأساسي غالباً في الريف وبعض المناطق الشعبية في المُدن ، وبصرف النظر عما إذا كان ظهوره يعود إلى هجمة وهابية كما يرى البعض ، أو إى تيار عودة إلى ماقبل هُدى شعراوي كما يرى بعضٌ آخر ، أو إلى رغبة حقيقية مُخلصة في تلمُس طاعةً دينية كما يري آخرون ، فإن " الحجاب " في كُل الأحوال ، وفي بدايات إنتشاره كان له وقعٌ ما جد مُختلف ، فهو في البدايات كان يبدو بالفعل مظهراً ينُم عن جوهر ، فكانت من ترتديه في تلك الفترة تتلمس فيه ماوُصف به من شروط أعلنها الداعون إليه ألا يشف ولا يُفصل الجسم ... إلخ ، كما كُن يلتزمن -  في تلك البدايات البعيدة بسلوكيات أخلاقية تتسق مع ما يُفترض أن ما يرتدينه يُشير إليه ثُم جرت مياهٌ كثيرة في النهر ، بل رُبما بأكثر مما ينبغي ، وآل الحجاب على أيدي بعض مُناصريه من جانب ، وتحت ضغط ابتزاز بعض مُعارضيه من جانب آخر إلى ما نراه اليوم حيثُ اختُزل  إلى مُجرد غطاء للرأس ...والباقي  " ستريتش " ! فضلاً عن الفصل الكامل بينه كمظهر وبين سلوك وأداء " بعض " صاحباته  حتى كان هذا الصباح وأنا في طريقي إلى عملي عبر كورنيش المعادي حين صفعني هذا الإعلان العملاق  الذي أشهد أن بوسترات أفلام راكيل وولش وبرجيت باردو  في ذروة صباي ومُراهقتي وشبابي المُبكر لم تقع في "نفسي" وقع هذا الإعلان  رغم أنني  أستحثُ الخُطى - بصعوبة شديدة - نحو الستين !!! 
                                                             طارق فهمي حسين

                                                               سبتمبر ٢٠١٨

الفاتح من سبتمبر

الفاتح من سبتمبر
اليوم هو " الفاتح من سبتمبر " - ذكرى الثورة الليبية التي قادها العقيد مُعمر القذافي وعدد من الضُباط الوطنيين الليبيين في عام ١٩٦٩ ، و قبل أن ينبري البعض "مُصححاً " أنه كان إنقلاباً عسكرياً و لم تكُن ثورة وفقاً للتعريفات " المعملية " لمُنظرينا الفطاحل يساراً ويميناً ، أستدرك موضحاً أنه على مدار الأربعينيات والخمسينيات والستينيات ، بل ورُبما مابعد ذلك من القرن العشرين ، وفي ظل غياب تنظيمات وأحزاب شعبية حقيقية ، وتحت وطأة الفقر والجهل والمرض ذلك الثالوث الذي خلفه الإستعمار القديم و وكلائه من أنظمة الحُكم الملكية والإمامية المُهترئة ، لم تكُن ُهناك قوة حقيقية مُنظمة وقادرة على الفعل في أغلب الأحوال سوى  الشباب الوطني من العسكريين ، وأوضح بل أؤكد أن هذا كان وضعاً إستثنائياً مرتبطاً بفترة تاريخية بعينها ولا ينسحب علي ماتلاها من عقود وحتي يومنا هذا .
وفي ظلال هزيمة يونيو ١٩٦٧ الكئيبة كانت حركة الضُباط السودانيين في ٢٥ مايو ١٩٦٨بقيادة جعفر النميري  ثُم حركة الفاتح من سبتمبر ١٩٦٩ بقيادة مُعمر القذافي في ليبيا بمثابة بصيص أمل  للأُمة العربية للنهوض من عثرتها والقيام بعد انتكاستها .
وفي تلك البدايات البعيدة كانت ثورة الفاتح من سبتمبر بالفعل إضافة للثورة العربية وحركة التحرُر العالمية ، وفي ظل نموذج الثورة المصرية الرائدة وقائدها الكبير جمال عبد الناصر تحررت ليبيا من إسار الماضي الإستعماري ، وخلصت من أكبر قاعدتين عسكريتين للإستعمار البريطاني والأمريكي على أرضها ، واستردت مُقدراتها البترولية ، وكانت خير عُمق إقتصادي وعسكري للجبهة المصرية ، والدعم الليبي خلال حرب الاستنزاف ثُم حرب أكتوبر ١٩٧٣ لا يخفى على أحد ولا يُنكره إلا جاهل أو جاحد .
ثُم غيب الموت عبد الناصر ، وغيبت أخطاء التنظيم وسلبياته  ثورة يوليو نفسها ، وغاب دورها المُرشد والكاشف للطريق ، وتولت الثورة المُضادة زمام السُلطة في مصر ، وحسب نُكتة شهيرة : " توقف نادي الملوك العرب عن فقدان المزيد من أعضاءه " .
وبقي القذافي وسواه وحدهم في الساحة ، لكنهُم لم يكونوا يملكون من الوعي والثقافة والنقاء والإرادة  ماكان يملكه جمال عبد الناصر ، فقط بقيت أوهام شغل مكانته دون محاولة إمتلاك ماكان يملك من وعي تاريخي وإرادة قومية .
لعله ضعف الإمكانات الشخصية ، ولعله اليأس الذي صاحب هجمة الثورة المُضادة الشرسة وانتقال أكبر قوة عربية إلى المُعسكر الآخر ، ورُبما غلبة العقلية القبلية علي عقلية رجُل الدولة ( المُفترضة ) ، ولعله الهوى الشخصي و مُعاقرة الأدوية وحبوب الهلوسة - كما أشار محمد حسنين هيكل - ولعله كُل ذلك معاً ، وقبله وبعده غياب الديموقراطية - رغم باب الديموقراطية الشعبية الذي حاول القذافي طرقه  -  فضلاً عن طول البقاء في مقاعد السُلطة مع أجواء التأليه التي تُجيد صُنعها حاشيات الحُكام في عالمنا العربي  ، كُل ذلك أدى إلى تحول الحُلم إلى كابوس ،وإلى تلك النهاية التي تنتمي إلى الدراما الإغريقية بأكثر مما تنتمي لواقع القرن الحادي والعشرين ! فجاءت نهاية الشاب الوطني الثائر على هذا النحو المأساوي الذي إنتهى إليه ديكتاتوراً مجنوناً قتيلاً تاركاً ليبيا مُمزقة شيعاً وقبائل  ، وهي النهاية التي شهدنا مثلها سابقاً ولاحقاً - مع اختلاف التفاصيل - في العراق واليمن ، ونتوقع المزيد في أقطار أُخرى في هذه الأُمة العربية المكلومة .
علي أية حال ، ورغم أن العبارة بعد كُل ماسبق تبدو هزلية ، أقول لشعبنا العربي في ليبيا الشقيقة : كُل عام وأنتُم بخير ، هي ذكرى حُلم آل إلى كابوس ، لكن غداً  يومٌ آخر ، ويوماً ما سيأتي رجالٌ صدقوا ماعاهدوا الله عليه ، يملكون من الوعي والإرداة ، والقراءة الواعية للتاريخ - وهذا هو الأهم - مايُمكنهُم من العمل مع الشعب العربي ، وليس فوقه ، على إعادة الأمور إلى نصابها وكشف الغُمة .

                                                     مواطن عربي من مصر
                                                       طارق فهمي حسين 

                                                       الفاتح من سبتمبر ٢٠١٨