فانتازيا
===
في عُجالة ( نظراً لضيقي الشديد بالحديث في مثل هذا الأمر لكثرة مايدور فيه من غُثاء القول من كُل الأطراف ) أقول أنني - للأسف - لا أملك من العلم والتفقه في ديني ، و لعله كان ينبغي علي ذلك ، ما يجعلني أتصدر للإفتاء بلزوم الحجاب علي المرأة المُسلمة ، كما لا أملك الوقاحة الكافية لأجزم بعدم لزومه أيضاً دون يقين ناجم عن بحث جاد ، وأحمد الله أن خلقني رجُلاً مما أعفاني من البحث والاجتهاد للوصول إلى حقيقةٌ قطعية في هذا الشأن الذي يخُص المرأة المُسلمة وحدها ، وكان الله في عونها في سعيها - إن سعت - للوصول إلى قرار حاسم في هذا الأمر فتُلزم نفسها به في الدُنيا وتتحمل - وحدها - تبعاته في الآخرة ، ومع ذلك أرى " رجالاً " كثيرين مُسلمين وغير مُسلمين ، ومعهم نساء غير مُسلمات مُنشغلين أيما انشغال بهذا الأمر ، بدلاً من أن يحمدوا الله الذي أخرجهم من دائرة النساء أو أخرجهُم وأخرجهُن من دائرة الإسلام ، فأعفانا - رجالاً مُسلمين وغير مُسلمين ونساءاً غير مُسلمات - من هذا الجدل !!!
وأنا مثلاً علي المُستوى الشخصي أنعم علي الله بزوجة وأخت شقيقة ، واحدةٌ منهُما مُحجبة ، والأُخرى ليست كذلك ، كلتاهُما أُحب ، وبكلتاهُما أفخر وأُباهي الدُنيا ، بل و بكلتاهُما " أحتمي " في كثيرٍ من الأحيان . ولستُ أنا من نصح هذه بالحجاب أو أنكر علي تلك السفور ، لكني بالطبع كمصري عربي مُسلم نشأ في الطبقة المتوسطة في عصر كانت هذه الطبقة هي الدرع الحامي لقيم مُجتمعنا المصري العربي الشرقي ، وكإبن لعاصمة الألف مئذنة و لي جذور ريفية - كمُعظمنا - وجذور أُخرى تنتمي إلى أعرق أحياء القاهرة وأكثرها شعبية وأصالة ، فأنا بالتأكيد وبكُل تلك الخلفيات يؤنسني الإحتشام في المظهر والجوهر والسلوك ( باستثناء سنوات المُراهقة والجموح والرعونة الجميلة المؤسفة ) ، وفي بلدنا هذا وزمننا هذا بما يسوده من فانتازيا أرى كثير من النساء المُحتشمات في الحجاب وبدونه ، وأري من هُن لسن كذلك على الإطلاق وأيضاً في الحجاب وبدونه !
لكن كُل ماسبق ليس هو موضوع البوست الذي زعمتُ أنه يسكون في " عُجالة " ففشلت !
إنما موضوع البوست يمس " مُعسكر " الحجاب نفسه ، ذلك " الحجاب " الذي عاصرته وأنا طالب بالثانوي في بدايات السبعينيات بدايات ظهوره وانتشاره ببُطء في القاهرة وكافة مُدُن مصر بعد أن كان وجوده الأساسي غالباً في الريف وبعض المناطق الشعبية في المُدن ، وبصرف النظر عما إذا كان ظهوره يعود إلى هجمة وهابية كما يرى البعض ، أو إى تيار عودة إلى ماقبل هُدى شعراوي كما يرى بعضٌ آخر ، أو إلى رغبة حقيقية مُخلصة في تلمُس طاعةً دينية كما يري آخرون ، فإن " الحجاب " في كُل الأحوال ، وفي بدايات إنتشاره كان له وقعٌ ما جد مُختلف ، فهو في البدايات كان يبدو بالفعل مظهراً ينُم عن جوهر ، فكانت من ترتديه في تلك الفترة تتلمس فيه ماوُصف به من شروط أعلنها الداعون إليه ألا يشف ولا يُفصل الجسم ... إلخ ، كما كُن يلتزمن - في تلك البدايات البعيدة بسلوكيات أخلاقية تتسق مع ما يُفترض أن ما يرتدينه يُشير إليه ثُم جرت مياهٌ كثيرة في النهر ، بل رُبما بأكثر مما ينبغي ، وآل الحجاب على أيدي بعض مُناصريه من جانب ، وتحت ضغط ابتزاز بعض مُعارضيه من جانب آخر إلى ما نراه اليوم حيثُ اختُزل إلى مُجرد غطاء للرأس ...والباقي " ستريتش " ! فضلاً عن الفصل الكامل بينه كمظهر وبين سلوك وأداء " بعض " صاحباته حتى كان هذا الصباح وأنا في طريقي إلى عملي عبر كورنيش المعادي حين صفعني هذا الإعلان العملاق الذي أشهد أن بوسترات أفلام راكيل وولش وبرجيت باردو في ذروة صباي ومُراهقتي وشبابي المُبكر لم تقع في "نفسي" وقع هذا الإعلان رغم أنني أستحثُ الخُطى - بصعوبة شديدة - نحو الستين !!!
طارق فهمي حسين
سبتمبر ٢٠١٨

