يبدو بالفعل أن التاريخ يعيد نفسه … أحياناً…
فكما كانت نكبة ١٩٤٨ بإحتلال فلسطين و إعلان الكيان الصهيوني و هزيمة الجيوش العربية بفعل إهتراء الأنظمة السياسية القائمة وقتذاك في كنف الإستعمار القديم ، كما كانت تلك النكبة إعلاناً لإفلاس تلك الأنظمة و عجزها و تبعيتها ، تأتي اليوم مأساة سوريا - و من قبلها العراق - لتكشف واقعاً عربياً ربما أكثر إهتراءاً من واقع زمن نكبة ١٩٤٨ ، إذ لا نجد فقط أنظمة عميلة و تابعة و متآمرة على الشعب العربي في مختلف أقطاره ، بل نجد أيضاً أن من يصفون أنفسهم - زوراً - بالنخب السياسية ، و يرتدون - بالباطل - مسوح الثوار لا يقلون إفلاسا و إهتراءاً عن الأنظمة التي يزعمون مقاومتها و الثورة عليها !!!
فحين ننظر إلى حال سوريا اليوم نجد نظاما ديكتاتوريا وراثيا عاش عقودا على قمع الشعب العربي في سوريا ، و ورث ميراثا ثقيلا من الإنفصام التام بين نظرية “ البعث “ القومية الوحدوية ، و بين سجل حكم البعثيين الإنفصالي التآمري ، و رغم ذلك نجد الكثيرين من أهل اليسار “ المتحفي “ العربي يقف خلف بشار مهللا و مؤيدا و صانعا منه أسطورة الممانع المقاوم في وجه الإمبريالية و الصهيونية - رغم أن طلقة واحدة في وجه العدو الصهيوني لم تنطلق من الجانب السوري منذ عام ١٩٧٣ على مدار عهد بشار و أبيه من قبله ، و لو من باب الرد على الإعتداءات الصهيونية ،و كل ما “ يحمد “ لهذا النظام أنه لم يجرؤ على توقيع إتفاقيات إستسلام للعدو الصهيوني كتلك التي وقعها السادات و حسين بن طلال ، و أغفل هؤلاء المُهللين لبشار و أبيه أن الفضل في ذلك لا يعود لصلابة أو “ ممانعة هذا أو ذاك ، و إنما يعود لمعدن الشعب السوري المسيس بطبيعته و الذي ، و إن خضع للحكم الدكتاتوري على مدار كل تلك العقود ، إلا أنه من الصعب بمكان أن يخضع للإستسلام العلني للعدو الصهيوني و التوقيع على إتفاقيات بتصفية القضية الفلسطينية كالتي وقعتها نظم “ شقيقة “ ، و أنا هنا لا أشير إلى أن الشعب العربي في سوريا يفضل الشعب العربي في مصر و الأردن ، لكن فقط أشير إلى طبيعة الوعي القومي و السياسي للشعب العربي في سوريا (و كذا في لبنان)
و على الجانب الآخر نجد تنظيمات مسلحة تنتسب - زوراً - إلى الإسلام السياسي (و الإسلام بالضرورة سياسي) قد ركبت على ثورة الشعب العربي السوري المشروعة و التي بدأت سلمية فإنقضت عليها تلك التنظيمات و منها من هو مدعوم بأنظمة الرجعية و التبعية العربية ، و منها من هو مدعوم مباشرة أمريكيا و صهيونيا فنجد الكثير من التيارات السياسية الإسلامية “ تتورط “ في تأييد ساذج لهذه التنظيمات ، و لعل أكثر صور ذاك التأييد إثارة للأسف و أفدحها ثمناً كانت صورة تأييد الرئيس المصري المنتخب ديموقراطيا د. محمد مُرسي ، و الذي كان تحولا غير موفق في موقفه من الأزمة السورية الذي بدأ موقفا واعيا و مسئولا حين إتخذ في البداية طريق المبادرة إلى تشكيل لجنة مصرية -سعودية -تركية -إيرانية لحل الأزمة السورية و كان هذا - في رأيي - موقفا شديد الوعي و كان من شأنه - لو إستمر - أن يقطع الطريق على التطورات ، أو - للدقة- التدهورات في الأوضاع في سوريا ، كما كان إختيار هذه الدول الأربع تحديدا بمثابة “ توريط حميد “ إن جاز التعبير لبعض هذه الدول في تحمل علني لمسئوليات ربما كانت تحول دون التورط الحالي و الفاضح لتلك الدول في الشأن السوري ، لكن للأسف غلبت السذاجة السياسية بعد ذلك على الموقف الرسمي المصري ( مازلت أتحدث عن الرئيس المنتخب ديموقراطيا) و كذا التجاذبات السياسية و ربما الطائفية علي الموقف مما كان له الأثر الفادح الثمن ليس فقط على الوضع في سوريا ، و إنما كان أحد العوامل التي إستغلت - و لو بنسبة ما - في ضرب التجربة الديموقراطية الوليدة في مصر ، و التي إشرئبت لها أعناق و أنظار الشعب العربي في مختلف الأقطار ، و ضرب الثورة المصرية نفسها ، لكن تلك قصة أخرى …
و اليوم نرى على جانب نظاما ينتمي إلى التاريخ البغيض للدكتاتوريات العربية يحارب معركته الأخيرة و يهلل له يسار عربي ، أصر : متحفي ، و على الجانب الآخر مرتزقة من كل صوب يرفعون رايات متعددة يزعمونها إسلامية ، و آخرون يرفعون راية الإنتداب الفرنسي ؟!!!! و تهلل لهم تيارات الإسلام السياسي المختلفة و يصورونها على أنها حرب الإسلام ضد أعداءه ، و كل ذلك يتقاطع مع دعاوى طائفية - داخل و خارج سوريا ، و إسهام غير محمود على هذا الصعيد سواء من الجانب الوهابي في شبه جزيرة العرب أو - للأسف - من جانب القائمين على الحكم في الجمهورية الإسلامية في إيران ، و هنا أقول “ للأسف “ لأني ممن عاصروا عن كثب إلى حد كبير الثورة الإيرانية إبان إنطلاقها ثم إنتصارها ، و رأيت حقيقة توجهاتها الأولى المعادية للإستعمار و الصهيونية المقبلة بوعي و إصرار و إيجابية تجاه محيطها العربي الإسلامي ، لكن عقودا من تآمر الإأنظمة العربية في مصر و العراق و شبه الجزيرة ، بدأت بثمان سنوات من العدوان العسكري غير المبرر ، و إستمرت حتى اليوم في التآمر و المناوئة السياسية ، كانت كافية - و زيادة - لإرتفاع أصوات التطرف و التعصب القومي و الطائفي داخل إيران لتتحرك المواقف الإيرانية شيئا فشيئا في إتجاه الصورة التي رسمتها لها زورا الأنظمة العربية و أبواقها الإعلامية منذ اليوم الأول للثورة عام ١٩٧٩
و لا ننسى حزب الله الذي أرى فيه - و أكاد أضيف “ كنت “- أنه إذا كان الزعيم جمال عبد الناصرفي القرن العشرين قد وصف الثورة الفلسطينية - بحق - بأنها أنبل ظاهرة عرفتها الأمة العربية ، فإنني في القرن الحادي و العشرين أرى نفس الوصف ينطبق - أو كان - على حزب الله في لبنان
هذا الحزب بدخوله إلى ساحة القتال في سورية أسقط بعضا من ملامحه النبيلة ، من ذلك أن سلاحه لم يعد منذورا لمواجهة جيش الإحتلال الصهيوني و حسب ، و من ذلك أيضا أنه تخلى عن صفة “ المقاومة اللبنانية “ و التي إستحقها بجدارة و قلص نفسه إلى تيار سياسي ( و ربما طائفي ) مسلح يحمل السلاح مع أو ضد تيارات أخرى في المحيط العربي و الإسلامي ، و هكذا فحزب الله أيضا - و للأسف - يتحرك بإتجاه الصورة المفتراه التي صنعتها له أبواق الإعلام العربي و الصهيوأمريكي !!!
و إن كان لحزب الله بعض - و ليس كل - العذر في “إضطراره “ لهذا الموقف حيث أن النظام السوري و إيران كانا هما الداعم الوحيد فعليا و على الأرض في حروبه المشروعة المنتصرة ضد العدو الصهيوني ، لكن تبقى شبهة الطائفية ، و تبقى شبهة التبعية و كلاهما لا يليق بحركة مقاومة مسلحة ضد عدو الأمة الأول و هو الكيان الصهيوني .
و اليوم هاهو الشعب العربي السوري العظيم يتلقى القتل الجماعي من نظامه الحاكم و من معارضي ذلك النظام ، ممن يحملون راية العروبة و التقدم ، و ممن يحملون- بشكل غير مفهوم - راية الإنتداب الفرنسي ، و هاهي أرض سوريا العربية تتلقى القصف الجوي من أمريكا و فرنسا و تابعيهم من أنظمة عربية ، فيلقى القصف التهليل و التكبير ممن يتصورون أن في هذا نصرة للإسلام و للشعب العربي السوري ، ثم يأتي القصف الجوي الروسي أيضا ، فنجد البعض يخرج من الكهوف و قد علاه التراب و النسيج العناكب رافعا رايات حمراء متصورا أنها طائرات الإتحاد السوفيتي أتت تبشر بالإشتراكية و الأممية !!!
لهؤلاء بالذات أزف “ خبرا” عله مفاجيء لهم أو “ جديد “ عليهم :
الإتحاد السوفيتي و منظومة الدول الإشتراكية و حتى حلف وارسو إنهاروا و تفككوا منذ عقود للأسف ٠ نعم للأسف أقولها صادقا- و روسيا التي تقصف سوريا اليوم مثلها كمثل أمريكا هي دولة رأسمالية تحكمها مافيا و يجلس على قمة السلطة فيها رجل مخابرات ديكتاتور متحايل على أدوات تداول السلطة ديموقراطيا ، و حتى أقرب الصورة أو أبسطها علهم يفهمون : هو الصورة المكبرة للمسخ الذي يعملون على نسجه في سدة الحكم في بلادنا خوفا من رياح الديموقراطية التي لم تتحملها صدورهم ، و بدافع مرضهم التاريخي الذي بسببه لم يخرجوا يوما من قوقعتهم العطنة ألا و هو مرض الإسلاموفوبيا ، أقولها ليس هجوما على الإشتراكية فإنحيازاتي واضحة و غير قابلة للمزايدة، و لا دفاعا عن التنظيمات أو التيارات الإسلامية القائمة على الساحة فهي لا تقل عنهم متحفية و بؤسا .
طارق فهمي حسين
أكتوبر ٢٠١٥
