ذكرى ثورة .
في ذكراها العطرة :
ثورة يوليو 52 لمن يريد - منصفا - أن يقيمها فعليه أن يتناول الفترة من 23 يوليو 1952 حتى 28 سبتمبر 1970 فيجد إنهاء ﻹحتلال بريطاني دام أكثر من سبعين عاما و إسترداد لقنال السويس التي حفرت بالسخرة و دفن تحتها آلاف المصريين و بناء ألف مصنع و السد العالي و مفاعل نووي و زيادة الرقعة الزراعية لمصر زيادة ذات شأن ﻷول مرة منذ عهد الملك إمنمحات الثالث ( تآكل مقابلها في عهد السادات و ما بعده ) و تحويل آلاف الفلاحين المعدمين إلى ملاك للأرض التي كانوا يزرعونها بأيديهم لصالح نصف في المائة من السكان ما بين مصريين و أجانب ، و تمصير للإقتصاد و خاصة البنوك التي كانت كلها ملك ﻷجانب و خاصة اليهود بإستثناء بنك مصر الذي تم قبل الثورة بسنوات تنحية مؤسسه الوطني طلعت حرب عن إدارته لضرب محاولته لصنع إقتصاد وطني تمثل في بنك مصر و شركاته ، و نجد أيضا معدل تنمية وصل إلى 6.5% كان هو اﻷعلى في
العالم وقت الخطة الخمسية اﻷولى 1961 / 1966
و نجد إنخفاض كبير في معدل وفيات اﻷطفال و إختفاء للأوبئة و إنخفاض للأمية و زيادة " طفرية " في عدد المستشفيات و المدارس و الجامعات و تعميم مجانية التعليم لكل مراحل التعليم دون إنخفاض في جودته ( وقتها ) و إسال البعثات علي نفقة الدولة للدراسة في كافة التخصصات و إلى كل دول العاللم المتقدم شرقا و غربا ، و بدايات جادة لتصنيع السلاح محليا بعد خطوة تنويع مصادره ، و إنهاء للنفوذ اﻹستعماري في أغلب دول الوطن العربي و إفريقيا ، و إنشاء التلفزيون العربي الذي كان - وقتها - منارة ثقافية و فنية و إعلامية و كذا فرق مسرح التلفزيون و أكاديمية الفنون ،و إنشاء كورنيش النيل في العاصمة من شبرا إلى حلوان و إنشاء إذاعة القرآن الكريم و ترجمة معاني القرآن الكريم إلى كل لغات العالم و " جمع " القرآن الكريم مسموعا بأصوات كبار المقرئين و بناء مدينة البعوث اﻹسلامية لتستقبل و تخرج و ترسل العلماء و الدعاة من و إلى كافة أصقاع اﻷرض ، و تشكيل لجنة من كبار علماء العالم الإسلامي للتقريب بين المذاهب الإسلامية ( توقف عملها في عهد السادات و خلفاءه ) و ترشيد الإستيراد و زيادة التصدير فكنا نرى السيارات و الباصات و الجرارات الزراعية ماركة نصر ( التي كانت نواة أول صناعة سيارات في الوطن العربي ) تصدر للدول العربية و اﻹفريقية ، و إنشاء جهاز المخابرات العامة الذي كان درعا من دروع مصر في مواجهة الإستعمار و رأس حربته الكيان الصهيوني ، و مجمع اﻷلومنيوم و مجمع الحديد و الصلب ، و شركة النصر للتصدير و اﻹستيراد التي أنشئت كواجهة للمخابرات في إفريقيا فإذا بإدارتها تنجح في ذات الوقت في جعلها من أنجح الشركات و أكثرها تحقيقا للربح و أنشأت أعظم المشروعات في كافة دول إفريقيا ..... كل هذا و غيره الكثير في ثمانية عشر عاما خاضت مصر خلالها حربين ( بل ثلاث حروب ) فرضت عليها و لم تكن مغامرات عسكرية لعبد الناصر كما يهوى مزوروا التاريخ أن يصوروها ففي ٥٦ كانت الحرب عدواناً من طرف واحد من دول العدوان على مصر لإعادة الإستيلاء على قنال السويس التي كان تأميمها تصحيحاً لوضع تاريخي مشوه و رداً لحق مغتصب و إستكمالا لإستقلال كان سيبقى منقوصاً دون تأميم القنال و كذلك توفيرا لمورد ذاتي لتمويل مشروع السد العالي الذي أثبتت السنون و العقود التالية أنه شريان جديد للحياة زرعه عبد الناصر في قلب مصر ، و في موجات الجفاف التي أكلت الأخضر و اليابس في دول بعضها من دول حوض النيل كنا هنا في مصر السد العالي “ نروي “ الأسفلت و بلاط أرصفة الشوارع من فائض مياه السد !!!
و حرب اليمن لم تكن كما يجهل علينا البعض مغامرة أو طلب زعامة شخصي لعبد الناصر و إنما كانت تلبية لنداء الواجب القومي و الديني و المصلحة الإستراتيجية البحتة لنصر ثورة الشعب اليمني الشقيق في طلبه التحرر من نظام ينتمي للعصور الوسطى و من إحتلال بريطاني بغيض ، لم يكن هناك معنى لنجاح ثورة يوليو في طرده من مصر ليقف مهددا لنا عند باب المندب ( و الذي لم يكن هناك إمكانية فيما بعد للنجاح في حرب ٧٣ دون إغلاق المضيق بإرادة الجمهورية اليمنية الشقيقة التي قامت بدعم الثورة المصرية في حرب اليمن “ سيئة السمعة “ كما يحلو للبعض التوهم ).
ثم نأتي إلى “ ثالثة الأثافي” ، و السيرة المفضلة لدى أعداء ثورة يوليو و قائدها جمال عبد الناصر ، ألا و هي حرب أو نكسة أو هزيمة يونيو ١٩٦٧ فنجد : أولاً أن خطة العدوان كانت معدة سلفا بالتنسيق بين الولايات المتحدة الأمريكية و حلفها الإستعماري و بين الكيان الصهيوني تحت إسم كودي هو “ عملية إصطياد الديك الرومي “ في إشارة إلى عبد الناصر الذي وصفته المخابرات الأمريكية بأنه يختال في المنطقة كالديك الرومي غير مبال بأحد !
و كان الهدف الأول لهذا العدوان هو - و قبل إحتلال الأرض - وقف مخططات التنمية في مصر بعد النجاح الساحق للخطة الخمسية الأولى ( ٦١/ ٦٦ ) كما أسلفت ، و كسر لنموذج الناصري الذي كان نبراساً لكل قوى التحرر و الشعوب المتطلعة لغد أفضل في العالم الثالث كله
[ في زيارة تشي جيفارا و فيديل كاسترو لمصر قالا لعبد الناصر : لقد كنا نستلهم كفاحكم في السويس و نحن نقاتل في جبال سييرا مايسترا ] ، و لم يكن التصعيد من جانب عبد الناصر في مواجهة الحشود العسكرية ضد سورية سوى مناورة سياسية أخفق فيها عبد الناصر ( نعم أخفق كأي بشر ) ، أو للإنصاف : ما كان لها أن تنجح لأن العدوان قادم قادم و سابق التخطيط له كما أسلفت ….
لأن ثورة يوليو قام بها بشر عاديون يخطئون و يصيبون ، و لأن جمال عبد الناصر ، و هو أعظم من أنجبت أمة العرب في العصر الحديث ، بشر يخطيء و يصيب فهناك بالتأكيد أخطاء منها ما هو كبير و جلل - كهزيمة ٦٧ - لكن هكذا دائما حال العظماء من الرجال عظيموا الإنجاز و كذا - أحيانا - عظيموا الأخطاء ، و بنظرة حالمة تملؤها الحسرة إلى الخلف أقول أنه كان يجب بعد رحيل عبد الناصر مباشرة أن تطرح الأخطاء على مائدة البحث لكن بغرض تنقية التجربة و تعميق الإيجابيات - و هي المحصلة الغالبة للتجربة الناصرية - و ضمان إستمرار المسيرة صعودا و تقدما ، و هو الأمر الذي شرع فيه عبد الناصر نفسه بعد النكسة مباشرة في عملية جادة و حقيقية للنقد الذاتي الشجاع و إزالة الشوائب عن مسيرة الثورة و إزاحة رجال كانوا عبئا علي التجربة و الحفاظ على آخرين كانوا وقود النجاح و البناء و الدفع بدماء جديدة من الرجال المخلصين ، حتى لبى عبد الناصر نداء ربه في ٢٨ سبتمبر ١٩٧٠ فلم يتوقف الإصلاح و التجديد فحسب و إنما حلت محله معاول الهدم و التشويه على أيدي مسوخ الثورة المضادة الذين تسلموا الوطن بعد أن خلعوا رداء يوليو و قادوا مصر على مدار أربع عقود كاملة من التحول عن مسيرة و مباديء و إنجازات ثورة يوليو ٥٢ و إنحيازاتها السياسية و القومية و الإقتصادية و الإجتماعية فصرنا إلى ما نحن فيه اليوم ، و بالتأكيد ليس من الإنصاف أن نسحب لافتة ثورة يوليو البراقة على هذه العقود الأربعة ثم نتهم الثورة و نقيم إنجازاتها من واقع ما وصل إليه الحال اليوم بعد أربعة عقود كاملة ، و أكثر - أكرر - من السير “ بأستيكة “ على طريق عبد الناصر و ثورته الغراء .
طارق فهمي حسين
٢٣ يوليو ٢٠١٥
٢٣ يوليو ٢٠١٥
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق