كان محمود أمين العالم رحمة الله عليه كان رجلا عظيما و مناضلا شديد الصلابة رغم رقته الشخصية البالغة و عذوبة روحه الراقية ، شرفت يوما بلقاءه فأدركت بنفسي أن اﻷساطير التي تنسج عن عظمة هذا الرجل ﻻ تكاد ترقى إلى طرف ثوبه النقي .
مرة واحدة في حياتي وصلني صوته عبر الهاتف ( من باريس إلى القاهرة ) معرفا نفسه : أنا إسمي محمود . (هكذا فقط !) فسرت قشعريرة في كل بدني حيث أدركت أن محدثي هو محمود أمين العالم ذاته ، و ﻻ أدري كيف عرفت و لم يكن قد سبق لي شرف التحدث معه ! أحسست لحظتها بقامتي تصل إلى عنان السماء و بأنني ذو شأن كبير إذ أن " العالم " يرفع سماعة التليفون قاصدا مكالمتي "شخصيا"! مبلغا إياي رسالة تحذيرية من أبي الذي كان وقتها مثله من طيور الصحافة و السياسة المصرية المهاجرين ....
وقتها كان السادات قد إبتدع ما أسماه "قانون العيب " و أنشأ له محكمة خاصة أسماها "محكمة القيم" و الحقيقة أنه كان قانونا "لممارسة"العيب و محكمة تنتهك فيها القيم ! و كانت أول قضية سياسية تنظرها تلك المحكمة هي القضية التي إتهم فيها القائد العسكري البطل سعد الدين الشاذلي بعدة تهم ﻻ تقل سخافة و تلفيقا عن القانون المذكور و المحكمة التي عقدت بموجبه ! كان "المتهمون" تسعة عشر و كان ﻷبي الراحل شرف أن يكون " المتهم " السادس ، و كان له أيضا شرف أن تضم القائمة إسم : محمود أمين العالم و الذي كان وجود إسمه المضيء كافيا وحده ليشي بهزل الإدعاء إذ كيف يتهم بالخيانة العظمى من كان يحمل مصر ذاتها بين طيات قلبه و عقله ؟!
جمعت جلسات تلك المحاكمة بين أسر " المتهمين"الذين كانوا جميعا خارج البﻻد ،فرأيت عن قرب السيدة الفاضلة حرم الفريق الشاذلي و إبنتيه ، و كذا شرفت مرارا برؤية اﻷستاذة العظيمة سميرة الكيﻻني ﻷدرك عن قرب أنه بالفعل وراء كل عظيم إمرأة ،و ﻷدرك أيضا أن تلك الثقافة و اللباقة و التهذيب التي كنا نشاهدها على شاشة "التلفزيون العربي" هي مجرد قبس بسيط من ثقافة و أخﻻق تلك السيدة العظيمة .
وقف ممثل اﻹدعاء (مازلت أتذكر إسمه لكني لن أذكر ما سيغفله التاريخ) يرغي و يزبد و يصف "المتهمين "بأبشع اﻷوصاف و بما يخدش الحياء (فضﻻ عن كونه إفتراءات) دون أدنى مراعاة لوجود زوجات و بنات و أبناء من يسبهم (أو ربما تعمدا ) و مطالبا - ضمن ما طالب به - بالتحفظ على أموال المتهمين ، و حين أصدرت المحكمة برئاسة المستشار أحمد رفعت خفاجة -رحمه الله - حكمها كان من بين تفاصيل الحكم رفض التحفظ على "أموال "محمود أمين العالم " نظرا لتفاهة هذه الأموال " نعم هكذا بالنص ! فقد كانت أموال الكاتب و المفكر و المناضل الكبير محمود أمين العالم الذي يعرفه العالم أجمع و يقرأ و يسمع له و زوجته المذيعة التلفزيونية الرائدة الشهيرة ، كانت أموال تلك اﻷسرة تنحصر -على ما أذكر - في سيارة ماركة رمسيس و الشقة التي تسكنها اﻷسرة ( و بالتأكيد كانت إيجار ) !!!
هكذا رأيت - من زاوية بسيطة جدا- كيف كات الفارس العذب النبيل محمود أمين العالم الذي كان رائدا في مدرسة من يصدق عملهم قولهم و تتسق حياتهم مع مبادئهم و هي مدرسة له فيها تﻻميذ و أتباع و مريدين حتى اليوم و إن قلوا و إن تواروا عن صدارة المشهد.
رحم الله محمود أمين العالم عنوانا على جيل و فئة لم تتكرر بعد ، بل أقول " حفظ " الله محمود أمين العالم فكرا و فكرة و معنى و مثال ، و لعلي أقترح على اﻷستاذة شهرت أن تسعى ﻹعادة نشر كل أعماله حفظا لتلك الثروة ﻷجيال لم يسعدها الحظ بإدراك عصر محمود أمين العالم و رفاقه .
طارق فهمي حسين
١٠ يناير ٢٠١٥
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق