اليوم هو الخامس عشر من يناير ، اليوم هو الذكرى السابعة و التسعون لميلاد رجل إسمه جمال عبد الناصر ، رجل غير وجه تاريخ مصر و اﻷمة العربية و ما يسمى بالعالم الثالث كله ، قاد جمال عبد الناصر ثورة أنهت حكم أسرة أجنبية قبعت على صدر مصر لنحو قرن و نصف من الزمان ، و أنهت ثورته إحتﻻﻻ بريطانيا لمصر دام ﻷكثر من سبعين عاما ، بل و طاردهم و معهم الدولة اﻹستعمارية اﻷخرى فرنسا حتى أخرجهما تماما من المنطقة بل و أنهى عصر اﻹستعمار القديم في العالم كله ، إنتزع عبد الناصر آﻻف الفدادين الزراعية من اﻷسرة المالكة المخلوعة و حاشيتها و ورثة إقطاعيات محمد علي و سلمها إلى زارعيها المعدمين أصحابها اﻷصليين ، إسترد عبد الناصر لمصر قنال السويس فإسترد معها حق من حفروها بأظافرهم و دفنوا تحتها ، و أعاد اﻹعتبار ﻷبو الثورة المصرية اﻷطهر أحمد عرابي المصري ، و إسترد مع القنال أيضا كرامة مصر و إرادتها .
أضاف عبد الناصر للرقعة الزراعية في مصر مليون فدان و ذلك ﻷول مرة منذ عهد أمنمحات الثالث الذي تسميه كتب التاريخ " العهد الذهبي للفﻻح " (تآكل مثلها في عهد ﻻحقي عبد الناصر) ، بنى عبد الناصر السد العالي الذي صنف على أنه أكبر مشروع في القرن العشرين ، حمى السد العالي مصر و شعبها حتى اليوم مما عانت منه دول حوض النيل أكثر من مرة من جفاف و مجاعات و لوﻻ أن سبب لنا الله جمال عبد الناصر و سده العالي لعانت مصر من تكرار ما عرف في تاريخها بالشدة المستنصرية حين وصل القحط و المجاعة بالناس ﻷن يأكلوا القطط و الكﻻب وصوﻻ ﻷكل لحوم البشر (حرفيا و ليس مجازا) ، حمى سد عبد الناصر العالي مصر من كل ذلك كما ستر إيراد قنال السويس شعبها في زمن القحط ...
بنى عبد الناصر ألف مصنع و مجمعا للحديد و الصلب و مجمعا للألومنيوم و وظف مﻻيين العمال و الموظفين و بنى آﻻف المدارس و المعاهد الفنية المتخصصة و عدد من الجامعات و آﻻف المستشفيات و الوحدات الصحية و مراكز الشباب و الساحات الشعبية ، إقتطع عبد الناصر ( على سبيل المثال) مساحة شاسعة من أرض نادي الجزيرة و هو نادي الإنجليز و الحاشية و صفوة الباشوات ، إقتطعها ﻻ ليبني لنفسه قصرا مثﻻ (كما فعل السادات و زوجته حين إستوليا على قصر محمد محمود خليل المتاخم لبيتهما في الجيزة ) و إنما ليبني مركز شباب الجزيرة ليرتاده عامة الشعب .
حول عبد الناصر عدد من القصور الملكية إلى متاحف مفتوحة للشعب (منها قصري عابدين و المنتزة ) و قد أغلقت دون الشعب بعد عبد الناصر و إستخدمت حتى اليوم كقصور رئاسية !
عمم عبد الناصر مجانية التعليم كما طالب بها طه حسين فعرفت مصر أحمد زويل و أحمد مستجير و فاروق الباز و جيش من المتعلمين و المعلمين في كافة المجاﻻت . في زمن عبد الناصر إختفى الحفاء (و كان هناك قبل يوليو 52 ما يسمى بمشروع مكافحة الحفاء) و إنخفضت نسبة الوفيات بين اﻷطفال إنخفاضا هائﻻ و إرتفع متوسط أعمار المصريين بأمر الله وحده الذي أمرنا باﻷخذ باﻷسباب و هذا ما حرص عليه عبد الناصر قدر جهده . في زمن عبد الناصر كانت الطبقة اﻷرستقراطية في مصر تشكو من "أزمة الخدامين"و تتذمر من عبد الناصر الذي تسبب في ذلك !
جدد عبد الناصر المساجد التاريخية و بنى مئات المساجد و أدخل دراسة العلوم بأنواعها إلى جامعة اﻷزهر محددا الهدف من ذلك أن يكون لدينا الطبيب الداعية و المهندس الداعية و المدرس الداعية ...إلخ ، ثم أرسل البعثات من هؤﻻء إلى إفريقيا و آسيا و أمريكا الﻻتينية فأوقف إندفاع حمﻻت التبشير التي كانت قائمة - بالذات في إفريقيا - على قدم و ساق و دخل اﻵﻻف في اﻹسﻻم بفضل الله و بسبب تلك البعثات ، أنشأ عبد الناصر مدينة البعوث اﻹسﻻمية و أتاح المنح الدراسية باﻷزهر للمسلمين من كل أصقاع اﻷرض فربط العالم اﻹسﻻمي كله بمصر و باﻷزهر و تخرج من مصر كبار الدعاة في بﻻدهم بل و رؤساء و ملوك الدول في إفريقيا و آسيا ، أنشأ عبد الناصر إذاعة القرآن الكريم و لم يكن لها وجود قبله ،و أمر و أشرف بنفسه على تسجيل القرآن الكريم كامﻻ بأصوات كبار المقرئين ، كما أشرف على مشروع ترجمة معاني القرآن الكريم بمختلف لغات العالم ، و كذا طلب تشكيل لجنة من كبار العلماء في العالم اﻹسﻻمي للتقريب بين المذاهب و شارك فيها علماء من كل الدول و المذاهب بالفعل ، و بعد أكثر من عقد على رحيل عبد الناصر صرح اﻹمام آية الله الخميني للزعيم الجزائري أحمد بن بيلﻻ (رحمهما الله) بأنه لو كان قدر للثورة اﻹسﻻمية في إيران أن تنتصر في وجود عبد الناصر لتغير وجه المنطقة و العالم .
في زمن عبد الناصر تم بناء كتدرائية العباسية و ساهم عبد الناصر مساهمة رمزية من جيبه الخاص (الذي لم يكن يحوي الكثير) و ﻻ أقول أن العﻻقة بين مسلمي مصر و مسيحييها كانت في أحسن حاﻻتها ﻷن تعبير " العﻻقة"في هذا الموضع ليس دقيقا فالعﻻقة تتطلب طرفين أو أكثر ، و في زمن عبد الناصر كان الشعب المصري كله "طرف"واحد ، و للدقة فإن ذلك لم يكن الفضل فيه لعبد الناصر أو للأغليبة المسلمة وحدهم ، و إنما كان هناك راع مسئول شديد اﻹحساس بالمسئولية تجاه أتباع كنيسته و تجاه الوطن كله ... كان البابا كيرلس السادس ... يبدو أنه كان زمن العمالقة بوجه عام !
بفضل سياسات عبد الناصر اﻹفريقية و مكانة البابا كيرلس السادس و هيبته و حكمته و إخﻻصه كانت الكنيسة في إثيوبيا تابعة للكنيسة المصرية ( و في الزمن اللاحق بعد رحيل الرجلين إنفصلت ) !!!
خاض جمال عبد الناصر في حياته خمس حروب : حرب فلسطين 1948 خاضها ضابطا مقاتلا فقاتل و أصيب و حوصر ضمن زملائه ، و عاد و في حلقه ما في حلوقهم جميعا من مرارة لكنه عاد أيضا موقنا- بحكم ثقافته و قراءاته و رؤياه - أن المشكلة و أسباب الهزيمة تقبع في العاصمة في قصور الحكم و كذا في معسكرات اﻹحتﻻل ... فكانت ثورة يوليو 1952
الحروب اﻷربع اﻷخرى التي خاضها عبد الناصر كانت بصفته القائد السياسي : العدوان الثﻻثي أو حرب السويس 1956 ،و التي يصفها الغافلون و المغرضون و الكارهون بأنها كانت هزيمة لمجرد أن عبد الناصر ( المدرس السابق بكلية أركان الحرب)أمر بسحب الكتائب الستة التي كانت في سيناء و كذا القوات التي همت بالدخول لمواجهة الجيش الصهيوني المعتدي ، لكن عبد الناصر أمر بسحب الجيش بعد أن أدرك مؤامرة التطويق التي شاركت فيها قوات بريطانيا و فرنسا ( بالمناسبة أنا لست و لن أكون شارلي زفت) فحافظ على قوام الجيش و أرواح جنوده و معداته ، و إنتصر في الحرب بعد أن حقق فيها كل أهداف مصر ( اﻹحتفاظ بالقنال مؤمما - و اﻹجبار السياسي لقوات الكيان و الدولتين المعتدين على اﻹنسحاب )و نصر إضافي مجاني تمثل في اﻹنهاء التام للتاريخ السياسي لقادة التآمر الثﻻث فإستقال أنتوني إيدن و جي موليه و ديفيد بن جوريون رؤساء وزراء المؤامرة الثﻻث و إعتزلوا السياسة للأبد ،و مازلت أذكر حين مات إيدن ( للمفارقة 14 يناير 1977) صدرت الصحف و المجﻻت العالمية ذاكرة الخبر -بعد طول غياب ﻹسمه عن النشر - و حافلة بالمقاﻻت و التحليﻻت عن حرب السويس و النهاية السياسية المأساوية ﻹيدن ، بل و ظهرت صور عبد الناصر بنفس الكثافة التي ظهرت بها صور إيدن بمناسبة موته !!!
ثم حرب اليمن التي إنتصر فيها عبد الناصر بإنتصار قوات الثورة اليمنية و إستقرار الجمهورية فيها و نهاية عهد اﻹمام الذي كان يضع اليمن في متحف التاريخ ، و اﻷهم خروج القوات البريطانية و قطع يدها عن مضيق باب المندب إذ ألقت حرب اليمن بقوات بريطانيا "العظمى"إلى ما وراء البحار و المحيطات فقبعت في جزيرتها تلعق جراحها و تجتر "أمجاد"الماضي ، و لم نسمع لها ركزا إﻻ في زمن حكامنا العرب الحاليين المياميين بل و فرنسا أيضا عادت (بالمناسبة :إلى حيث ألقت يا شارلي ) .
ثم حرب 1967 التي أساء فيها عبد الناصر التقدير و إختيار الرجال و أفلت منه توقيت وقف التصعيد و جني الثمار فهزم و هزمنا فكانت النكسة ، هزم عبد الناصر لكن إرادته و إرادة مصر و شعبها لم تنكسر ، إحتلت سيناء لكن خيارات مصر السياسية و اﻹجتماعية و اﻹقتصادية لم تتغير و لم تتراجع (و كانت هي -قبل اﻷرض-المستهدفة من العدوان) ، فكانت أكبر عملية نقد ذاتي خاضها عبد الناصر و نظامه الثوري و نفض عن كاهل مصر رجاﻻ و أساليب أثقلت و تسببت في النكسة و ضخ دماء جديدة في شرايين الدولة و الجيش فكانت حربه اﻷخيرة المنتصرة بالتأكيد : حرب اﻹستنزاف التي أعادت بناء الجيش و تحديثه و تطوير خبراته و زرع الثقة في نفوس أفراده (و أفراد الشعب معه) ... حتى رحل عبد الناصر تاركا خلفه جيش يتجاوز المليون مقاتل و إقتصادا تحسد مصر عليه كل دول العالم الثالث و تراثا فكريا و عمليا ستنهل منه اﻹنسانية طويﻻ .
في مثل هذا اليوم من سبع و تسعين عاما ولد جمال عبد الناصر حسين سلطان... عاش منها إثنان و خمسون عاما فقط ! نعم هذا الشيخ المهيب الذي يبدو في الصورة لم يكمل عامه الثالث و الخمسون لكنها هموم الوطن و كل اﻷمة التي حملها على كتفيه و بين طيات نفسه ما كتب الله له من عمر ، عمل عبد الناصر بكد و إخﻻص في سبيل دينه و وطنه اﻷصغر و اﻷكبر و في سبيل ما آمن به ، إنحاز للفقراء و الضعفاء و المظلومين ، واجه الظلم و الظالمين أفرادا و طبقات و قوى دولية فلم يكسروه ، بل و نال منهم كثيرا.
أصاب عبد الناصر كثيرا و أخطأ -ﻷنه بشر- في بعض مواضع لكن محصلة كفاحه المشرف سطرت أنصع الصفحات في تاريخ مصر و اﻷمة العربية الحديث .
فشل خصومه في النيل منه حيا فستأسدوا على ذكراه بعد رحيله و تسلم الثورة المضادة مقاليد السلطة في مصر فأضافوا لفشلهم مزيدا من الفشل !!!
في ميادين ثورة 25 يناير النبيلة (المجهضة اليوم ) و بعد أكثر من أربعة عقود على رحيله و من محاوﻻت إهالة التراب على تاريخه و إنجازاته ، لم يرفع شباب مصر ( الذين لم يعاصروه )في تلك الميادين النبيلة سوى راية مصر الخفاقة ... و صورة جمال عبد الناصر ....
طبت حيا و ميتا يا جمال و كل سنة و أنت بخير في رحاب رب العالمين .
أضاف عبد الناصر للرقعة الزراعية في مصر مليون فدان و ذلك ﻷول مرة منذ عهد أمنمحات الثالث الذي تسميه كتب التاريخ " العهد الذهبي للفﻻح " (تآكل مثلها في عهد ﻻحقي عبد الناصر) ، بنى عبد الناصر السد العالي الذي صنف على أنه أكبر مشروع في القرن العشرين ، حمى السد العالي مصر و شعبها حتى اليوم مما عانت منه دول حوض النيل أكثر من مرة من جفاف و مجاعات و لوﻻ أن سبب لنا الله جمال عبد الناصر و سده العالي لعانت مصر من تكرار ما عرف في تاريخها بالشدة المستنصرية حين وصل القحط و المجاعة بالناس ﻷن يأكلوا القطط و الكﻻب وصوﻻ ﻷكل لحوم البشر (حرفيا و ليس مجازا) ، حمى سد عبد الناصر العالي مصر من كل ذلك كما ستر إيراد قنال السويس شعبها في زمن القحط ...
بنى عبد الناصر ألف مصنع و مجمعا للحديد و الصلب و مجمعا للألومنيوم و وظف مﻻيين العمال و الموظفين و بنى آﻻف المدارس و المعاهد الفنية المتخصصة و عدد من الجامعات و آﻻف المستشفيات و الوحدات الصحية و مراكز الشباب و الساحات الشعبية ، إقتطع عبد الناصر ( على سبيل المثال) مساحة شاسعة من أرض نادي الجزيرة و هو نادي الإنجليز و الحاشية و صفوة الباشوات ، إقتطعها ﻻ ليبني لنفسه قصرا مثﻻ (كما فعل السادات و زوجته حين إستوليا على قصر محمد محمود خليل المتاخم لبيتهما في الجيزة ) و إنما ليبني مركز شباب الجزيرة ليرتاده عامة الشعب .
حول عبد الناصر عدد من القصور الملكية إلى متاحف مفتوحة للشعب (منها قصري عابدين و المنتزة ) و قد أغلقت دون الشعب بعد عبد الناصر و إستخدمت حتى اليوم كقصور رئاسية !
عمم عبد الناصر مجانية التعليم كما طالب بها طه حسين فعرفت مصر أحمد زويل و أحمد مستجير و فاروق الباز و جيش من المتعلمين و المعلمين في كافة المجاﻻت . في زمن عبد الناصر إختفى الحفاء (و كان هناك قبل يوليو 52 ما يسمى بمشروع مكافحة الحفاء) و إنخفضت نسبة الوفيات بين اﻷطفال إنخفاضا هائﻻ و إرتفع متوسط أعمار المصريين بأمر الله وحده الذي أمرنا باﻷخذ باﻷسباب و هذا ما حرص عليه عبد الناصر قدر جهده . في زمن عبد الناصر كانت الطبقة اﻷرستقراطية في مصر تشكو من "أزمة الخدامين"و تتذمر من عبد الناصر الذي تسبب في ذلك !
جدد عبد الناصر المساجد التاريخية و بنى مئات المساجد و أدخل دراسة العلوم بأنواعها إلى جامعة اﻷزهر محددا الهدف من ذلك أن يكون لدينا الطبيب الداعية و المهندس الداعية و المدرس الداعية ...إلخ ، ثم أرسل البعثات من هؤﻻء إلى إفريقيا و آسيا و أمريكا الﻻتينية فأوقف إندفاع حمﻻت التبشير التي كانت قائمة - بالذات في إفريقيا - على قدم و ساق و دخل اﻵﻻف في اﻹسﻻم بفضل الله و بسبب تلك البعثات ، أنشأ عبد الناصر مدينة البعوث اﻹسﻻمية و أتاح المنح الدراسية باﻷزهر للمسلمين من كل أصقاع اﻷرض فربط العالم اﻹسﻻمي كله بمصر و باﻷزهر و تخرج من مصر كبار الدعاة في بﻻدهم بل و رؤساء و ملوك الدول في إفريقيا و آسيا ، أنشأ عبد الناصر إذاعة القرآن الكريم و لم يكن لها وجود قبله ،و أمر و أشرف بنفسه على تسجيل القرآن الكريم كامﻻ بأصوات كبار المقرئين ، كما أشرف على مشروع ترجمة معاني القرآن الكريم بمختلف لغات العالم ، و كذا طلب تشكيل لجنة من كبار العلماء في العالم اﻹسﻻمي للتقريب بين المذاهب و شارك فيها علماء من كل الدول و المذاهب بالفعل ، و بعد أكثر من عقد على رحيل عبد الناصر صرح اﻹمام آية الله الخميني للزعيم الجزائري أحمد بن بيلﻻ (رحمهما الله) بأنه لو كان قدر للثورة اﻹسﻻمية في إيران أن تنتصر في وجود عبد الناصر لتغير وجه المنطقة و العالم .
في زمن عبد الناصر تم بناء كتدرائية العباسية و ساهم عبد الناصر مساهمة رمزية من جيبه الخاص (الذي لم يكن يحوي الكثير) و ﻻ أقول أن العﻻقة بين مسلمي مصر و مسيحييها كانت في أحسن حاﻻتها ﻷن تعبير " العﻻقة"في هذا الموضع ليس دقيقا فالعﻻقة تتطلب طرفين أو أكثر ، و في زمن عبد الناصر كان الشعب المصري كله "طرف"واحد ، و للدقة فإن ذلك لم يكن الفضل فيه لعبد الناصر أو للأغليبة المسلمة وحدهم ، و إنما كان هناك راع مسئول شديد اﻹحساس بالمسئولية تجاه أتباع كنيسته و تجاه الوطن كله ... كان البابا كيرلس السادس ... يبدو أنه كان زمن العمالقة بوجه عام !
بفضل سياسات عبد الناصر اﻹفريقية و مكانة البابا كيرلس السادس و هيبته و حكمته و إخﻻصه كانت الكنيسة في إثيوبيا تابعة للكنيسة المصرية ( و في الزمن اللاحق بعد رحيل الرجلين إنفصلت ) !!!
خاض جمال عبد الناصر في حياته خمس حروب : حرب فلسطين 1948 خاضها ضابطا مقاتلا فقاتل و أصيب و حوصر ضمن زملائه ، و عاد و في حلقه ما في حلوقهم جميعا من مرارة لكنه عاد أيضا موقنا- بحكم ثقافته و قراءاته و رؤياه - أن المشكلة و أسباب الهزيمة تقبع في العاصمة في قصور الحكم و كذا في معسكرات اﻹحتﻻل ... فكانت ثورة يوليو 1952
الحروب اﻷربع اﻷخرى التي خاضها عبد الناصر كانت بصفته القائد السياسي : العدوان الثﻻثي أو حرب السويس 1956 ،و التي يصفها الغافلون و المغرضون و الكارهون بأنها كانت هزيمة لمجرد أن عبد الناصر ( المدرس السابق بكلية أركان الحرب)أمر بسحب الكتائب الستة التي كانت في سيناء و كذا القوات التي همت بالدخول لمواجهة الجيش الصهيوني المعتدي ، لكن عبد الناصر أمر بسحب الجيش بعد أن أدرك مؤامرة التطويق التي شاركت فيها قوات بريطانيا و فرنسا ( بالمناسبة أنا لست و لن أكون شارلي زفت) فحافظ على قوام الجيش و أرواح جنوده و معداته ، و إنتصر في الحرب بعد أن حقق فيها كل أهداف مصر ( اﻹحتفاظ بالقنال مؤمما - و اﻹجبار السياسي لقوات الكيان و الدولتين المعتدين على اﻹنسحاب )و نصر إضافي مجاني تمثل في اﻹنهاء التام للتاريخ السياسي لقادة التآمر الثﻻث فإستقال أنتوني إيدن و جي موليه و ديفيد بن جوريون رؤساء وزراء المؤامرة الثﻻث و إعتزلوا السياسة للأبد ،و مازلت أذكر حين مات إيدن ( للمفارقة 14 يناير 1977) صدرت الصحف و المجﻻت العالمية ذاكرة الخبر -بعد طول غياب ﻹسمه عن النشر - و حافلة بالمقاﻻت و التحليﻻت عن حرب السويس و النهاية السياسية المأساوية ﻹيدن ، بل و ظهرت صور عبد الناصر بنفس الكثافة التي ظهرت بها صور إيدن بمناسبة موته !!!
ثم حرب اليمن التي إنتصر فيها عبد الناصر بإنتصار قوات الثورة اليمنية و إستقرار الجمهورية فيها و نهاية عهد اﻹمام الذي كان يضع اليمن في متحف التاريخ ، و اﻷهم خروج القوات البريطانية و قطع يدها عن مضيق باب المندب إذ ألقت حرب اليمن بقوات بريطانيا "العظمى"إلى ما وراء البحار و المحيطات فقبعت في جزيرتها تلعق جراحها و تجتر "أمجاد"الماضي ، و لم نسمع لها ركزا إﻻ في زمن حكامنا العرب الحاليين المياميين بل و فرنسا أيضا عادت (بالمناسبة :إلى حيث ألقت يا شارلي ) .
ثم حرب 1967 التي أساء فيها عبد الناصر التقدير و إختيار الرجال و أفلت منه توقيت وقف التصعيد و جني الثمار فهزم و هزمنا فكانت النكسة ، هزم عبد الناصر لكن إرادته و إرادة مصر و شعبها لم تنكسر ، إحتلت سيناء لكن خيارات مصر السياسية و اﻹجتماعية و اﻹقتصادية لم تتغير و لم تتراجع (و كانت هي -قبل اﻷرض-المستهدفة من العدوان) ، فكانت أكبر عملية نقد ذاتي خاضها عبد الناصر و نظامه الثوري و نفض عن كاهل مصر رجاﻻ و أساليب أثقلت و تسببت في النكسة و ضخ دماء جديدة في شرايين الدولة و الجيش فكانت حربه اﻷخيرة المنتصرة بالتأكيد : حرب اﻹستنزاف التي أعادت بناء الجيش و تحديثه و تطوير خبراته و زرع الثقة في نفوس أفراده (و أفراد الشعب معه) ... حتى رحل عبد الناصر تاركا خلفه جيش يتجاوز المليون مقاتل و إقتصادا تحسد مصر عليه كل دول العالم الثالث و تراثا فكريا و عمليا ستنهل منه اﻹنسانية طويﻻ .
في مثل هذا اليوم من سبع و تسعين عاما ولد جمال عبد الناصر حسين سلطان... عاش منها إثنان و خمسون عاما فقط ! نعم هذا الشيخ المهيب الذي يبدو في الصورة لم يكمل عامه الثالث و الخمسون لكنها هموم الوطن و كل اﻷمة التي حملها على كتفيه و بين طيات نفسه ما كتب الله له من عمر ، عمل عبد الناصر بكد و إخﻻص في سبيل دينه و وطنه اﻷصغر و اﻷكبر و في سبيل ما آمن به ، إنحاز للفقراء و الضعفاء و المظلومين ، واجه الظلم و الظالمين أفرادا و طبقات و قوى دولية فلم يكسروه ، بل و نال منهم كثيرا.
أصاب عبد الناصر كثيرا و أخطأ -ﻷنه بشر- في بعض مواضع لكن محصلة كفاحه المشرف سطرت أنصع الصفحات في تاريخ مصر و اﻷمة العربية الحديث .
فشل خصومه في النيل منه حيا فستأسدوا على ذكراه بعد رحيله و تسلم الثورة المضادة مقاليد السلطة في مصر فأضافوا لفشلهم مزيدا من الفشل !!!
في ميادين ثورة 25 يناير النبيلة (المجهضة اليوم ) و بعد أكثر من أربعة عقود على رحيله و من محاوﻻت إهالة التراب على تاريخه و إنجازاته ، لم يرفع شباب مصر ( الذين لم يعاصروه )في تلك الميادين النبيلة سوى راية مصر الخفاقة ... و صورة جمال عبد الناصر ....
طبت حيا و ميتا يا جمال و كل سنة و أنت بخير في رحاب رب العالمين .
طارق فهمي حسين
15 يناير 2015

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق