الفاتح من سبتمبر
اليوم هو " الفاتح من سبتمبر " - ذكرى الثورة الليبية التي قادها العقيد مُعمر القذافي وعدد من الضُباط الوطنيين الليبيين في عام ١٩٦٩ ، و قبل أن ينبري البعض "مُصححاً " أنه كان إنقلاباً عسكرياً و لم تكُن ثورة وفقاً للتعريفات " المعملية " لمُنظرينا الفطاحل يساراً ويميناً ، أستدرك موضحاً أنه على مدار الأربعينيات والخمسينيات والستينيات ، بل ورُبما مابعد ذلك من القرن العشرين ، وفي ظل غياب تنظيمات وأحزاب شعبية حقيقية ، وتحت وطأة الفقر والجهل والمرض ذلك الثالوث الذي خلفه الإستعمار القديم و وكلائه من أنظمة الحُكم الملكية والإمامية المُهترئة ، لم تكُن ُهناك قوة حقيقية مُنظمة وقادرة على الفعل في أغلب الأحوال سوى الشباب الوطني من العسكريين ، وأوضح بل أؤكد أن هذا كان وضعاً إستثنائياً مرتبطاً بفترة تاريخية بعينها ولا ينسحب علي ماتلاها من عقود وحتي يومنا هذا .
وفي ظلال هزيمة يونيو ١٩٦٧ الكئيبة كانت حركة الضُباط السودانيين في ٢٥ مايو ١٩٦٨بقيادة جعفر النميري ثُم حركة الفاتح من سبتمبر ١٩٦٩ بقيادة مُعمر القذافي في ليبيا بمثابة بصيص أمل للأُمة العربية للنهوض من عثرتها والقيام بعد انتكاستها .
وفي تلك البدايات البعيدة كانت ثورة الفاتح من سبتمبر بالفعل إضافة للثورة العربية وحركة التحرُر العالمية ، وفي ظل نموذج الثورة المصرية الرائدة وقائدها الكبير جمال عبد الناصر تحررت ليبيا من إسار الماضي الإستعماري ، وخلصت من أكبر قاعدتين عسكريتين للإستعمار البريطاني والأمريكي على أرضها ، واستردت مُقدراتها البترولية ، وكانت خير عُمق إقتصادي وعسكري للجبهة المصرية ، والدعم الليبي خلال حرب الاستنزاف ثُم حرب أكتوبر ١٩٧٣ لا يخفى على أحد ولا يُنكره إلا جاهل أو جاحد .
ثُم غيب الموت عبد الناصر ، وغيبت أخطاء التنظيم وسلبياته ثورة يوليو نفسها ، وغاب دورها المُرشد والكاشف للطريق ، وتولت الثورة المُضادة زمام السُلطة في مصر ، وحسب نُكتة شهيرة : " توقف نادي الملوك العرب عن فقدان المزيد من أعضاءه " .
وبقي القذافي وسواه وحدهم في الساحة ، لكنهُم لم يكونوا يملكون من الوعي والثقافة والنقاء والإرادة ماكان يملكه جمال عبد الناصر ، فقط بقيت أوهام شغل مكانته دون محاولة إمتلاك ماكان يملك من وعي تاريخي وإرادة قومية .
لعله ضعف الإمكانات الشخصية ، ولعله اليأس الذي صاحب هجمة الثورة المُضادة الشرسة وانتقال أكبر قوة عربية إلى المُعسكر الآخر ، ورُبما غلبة العقلية القبلية علي عقلية رجُل الدولة ( المُفترضة ) ، ولعله الهوى الشخصي و مُعاقرة الأدوية وحبوب الهلوسة - كما أشار محمد حسنين هيكل - ولعله كُل ذلك معاً ، وقبله وبعده غياب الديموقراطية - رغم باب الديموقراطية الشعبية الذي حاول القذافي طرقه - فضلاً عن طول البقاء في مقاعد السُلطة مع أجواء التأليه التي تُجيد صُنعها حاشيات الحُكام في عالمنا العربي ، كُل ذلك أدى إلى تحول الحُلم إلى كابوس ،وإلى تلك النهاية التي تنتمي إلى الدراما الإغريقية بأكثر مما تنتمي لواقع القرن الحادي والعشرين ! فجاءت نهاية الشاب الوطني الثائر على هذا النحو المأساوي الذي إنتهى إليه ديكتاتوراً مجنوناً قتيلاً تاركاً ليبيا مُمزقة شيعاً وقبائل ، وهي النهاية التي شهدنا مثلها سابقاً ولاحقاً - مع اختلاف التفاصيل - في العراق واليمن ، ونتوقع المزيد في أقطار أُخرى في هذه الأُمة العربية المكلومة .
علي أية حال ، ورغم أن العبارة بعد كُل ماسبق تبدو هزلية ، أقول لشعبنا العربي في ليبيا الشقيقة : كُل عام وأنتُم بخير ، هي ذكرى حُلم آل إلى كابوس ، لكن غداً يومٌ آخر ، ويوماً ما سيأتي رجالٌ صدقوا ماعاهدوا الله عليه ، يملكون من الوعي والإرداة ، والقراءة الواعية للتاريخ - وهذا هو الأهم - مايُمكنهُم من العمل مع الشعب العربي ، وليس فوقه ، على إعادة الأمور إلى نصابها وكشف الغُمة .
مواطن عربي من مصر
طارق فهمي حسين
الفاتح من سبتمبر ٢٠١٨
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق