٢٨ مايو ٢٠١٣
=========
=========
أفتح التلفزيون فأرى وزير التربية و التعليم على منصة مُرصعة بالميكروفونات و مُحاطاً بحسين صبور و محمد فريد خميس و الوزير يتحدث عن مُبادرة تدعو لأن يتبرع القادرون بأن يبني كُلٌ مدرسة " بإسمه " في مسقط رأسه ، ثُم يُعطي الكلمة لمحمد " بيه " ( يعني محمد فريد خميس ) الذي يستلم الميكروفونات و يُحدثنا عن أن " القادرين " في مصر " عطاءين " و أن مُبادرة " إبني مدرسة بإسمك تُشجع الجميع على .... إلخ إلخ...
======
مُلاحظاتي :
١- هذا وزير في مصر يستخدم كلمة " بيه " ( يعني بك ) مرتين في جُملة واحدة و ذلك بعد ستين عاماً من إلغاء الألقاب المدنية التي تنتمي لعصر الإحتلال العُثماني و أُسرة محمد علي الألباني من بعده ، ستون عاماً شهدت مصر خلالها ثورتان ، أو ثورة و مشروع ثورة ، لكن المفاهيم البالية و الدونية و الميل للعبودية ظل كامناً في كثير من النفوس ،بما في ذلك نفوس لم تكُن قد ولدت بعد حين كانت تلك الألقاب العُثمانية مُستخدمة في مصر و منهم هذا الوزير ، غريب هذا الحنين لعصر كانت مصر فيه مُستعمرة بريطانية و كان " مشروع مُكافحة الحفاء " هو أكبر نشاط إجتماعي معروف !!! هذا الحنين نلمسه أيضاً في تغيير إسم " مجلس الشعب " ( و الذي كان مجلس الأُمة في زمن عبد الناصر ) و العودة إلى تسمية " مجلس النواب " التي كانت قائمة في العهد الملكي !!! مجلس النواب الذي كان المندوب السامي البريطاني يطلُب مضبطة جلساته فيؤتى بها إليه في مقره ليُعدل و يشطُب بها كيفما شاء !!!
٢- مشهد الوزير مُحاطاً بمن يُسمونهم " رجال الأعمال يُشير إلى أننا لم نزل في ذات " النفق " الذي أدخلنا فيه أنور الساداتي - و تابعه من بعده - حين أصدر ما أسماه " قانون إستثمار رأس المال العربي و الأجنبي رقم ٤٣ لسنة ١٩٧٤ " و تعديلاته من بعده ، و الذي كان بمثابة إشارة البدء لتغيير ثقافة المُجتمع و قيمه و خياراته السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية بل و مواقفه الدولية ، و وضع كُل " الرهانات " إن جاز التعبير على رأس المال و رجاله وحدهم محلياً ، و على أمريكا و أذنابها خارجياً ، و التعامل مع العدالة الإجتماعية بإعتبارها فرع من فروع " البر و الإحسان " و مجالات لنشاط " الروتاري " و ما شابه ، و ليس حقاً و واجب و ضرورة إقتصادية و إجتماعية .
٣- لو كانت دولة ما بعد ٢٥ يناير ثُم ما بعد ٣٠ يونيو جادة في " تصحيح " الأوضاع الضريبية في هذا البلد - تقنيناً و تحصيلاً - لما كانت هُناك حاجة لتسول وزراء الحكومة بناء المدارس أو المُستشفيات و خلافه و لوضعت مثل هذه " المُبادرات " في حجمها و سياقها الطبيعي ، فلعل منهم من يفعل ذلك بدافع وطني، لكن بالتأكيد منهم - كُثر - يفعلون ذلك لأهداف دعائية أو ضريبية أو سياسية .
٤- ما الحكمة في أن تكون هذه " المُبادرة " أن يبني كُل " رجل أعمال " مدرسة " بإسمه " !!! سوى المزيد من تكريس الفردية و الذاتية و " جنون العظمة " أحياناً ، و ماذا سيُقال للتلاميذ في الحصة الأولى عن سبب تسمية المدرسة بإسم " محمد فريد خميس " أو مدرسة حسين صبور " و رُبما قريباً " مدرسة رشيد محمد رشيد " و مدرسة " أحمد عز "!!!
.... علمنا في الطفولة و الصبا لماذا هناك مدارس إسمها : مُصطفى كامل ، و محمد فريد ، و فتحية بهيج و هدى شعراوي و على مُبارك ... إلخ ، فماذا سيُعلمون الأجيال عن تسميات المدارس المُزمع إنشائها ؟ أن المال هو القيمة العُليا في الحياة ؟ ألا تكفي أربعون عاماً من إعلاء هذه " القيمة " و ما آل إليه حالنا بسببه ؟
٥ - و أخيراً رسالة إلى رئيس مصر - الشرعي المُنتخب - و إلى حزب الحُرية و العدالة - صاحب الأغلبية البرلمانية الشرعية المُهدرة بحل مجلس الشعب المُنتخب - و الذي يُفترض أن يكون الحزب الحاكم لسنوات خمس ، لكنه يتهرب من مسئوليته ، و كذا يُنكرها عليه خصومه - للرئيس و للحزب أقول : الإسلام دين و دولة نعم ، و الإسلام هو الحل نعم ، لكن الإسلام ليس رأسمالياً كما قد تتوهمون ، و العدل الإجتماعي بل و التأميم أحياناً ليس تدخُل في سُنة الكون و ليس توزيعاً للأرزاق و تطاول على إرادة الرحمن كما قد تتوهمون ، أعيدوا قراءة الحقائق الإقتصادية و الإجتماعية في دولة رسول الله و الخُلفاء الراشدين من بعده ، ثُم أعيدوا دراسة تجربة الثورة الإيرانية و خياراتها الإقتصادية و الإجتماعية ، و هنا أدعو الجميع لقراءة كتاب شرفني بإهدائي نسخة منه الأستاذ الباحث و الكاتب / مجدي صُبحي قام هو شخصياً بترجمته عن مؤلفته الإيرانية اواليلي بساران و هو بعنوان " الثورة الإسلامية و الإقتصاد " - صراع النُخب حول إستقلال الإقتصاد الإيراني -
بل أدعو الرئيس و الحزب إلى إعادة دراسة التجربة الناصرية بمعزل عن الصراع السياسي بين عبد الناصر و جماعة الإخوان المُسلمين ،و الذي صار في ذمة التاريخ ، و بعيداً عن فرضية أن عبد الناصر " كافر و كان بيحارب الإسلام " !!!!!
طارق فهمي حسين
٢٨ مايو ٢٠١٣
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق