بهدوء.
كنت تلميذا في المرحلة الثانوية حين جلست أمام التلفزيون متابعا للقاء أنور السادات بطلاب الجامعة، تابعت بكل حواسي الطالب عبد المنعم أبو الفتوح وهو يقف مواجها أنور السادات ببعض عورات نظامه بكل شجاعة وثبات حتى أخرج السادات عن شعوره وأخذ يصيح كالملدوغ فافسد طالب الجامعة الشجاع عليه مشهد ادعاء الديمقراطية الذي كان يؤديه.
لكني في نفس الاجتماع شاهدت أيضا الطالب حمدين صباحي يقف بنفس الشجاعة والهدوء، لكن متسلحا ببيان أهدأ عارضا تفاصيل موقفه المبدئي ، الناصري، من خطايا توجهات السادات.
احترمت بشدة الطالب عبد المنعم أبو الفتوح، لكني انبهرت بالطالب حمدين صباحي، ربما لتوافق توجهاته مع معتقداتي السياسية.
مرت سنوات وعقود كنت خلالها متابعا - كغيري- لمواقف حمدين ورأيته وهو يتعرض للسجن كمعظم المعارضين السياسيين، وظل دائما وجها ناصريا بارزا، ورغم كثير من الأراء السلبية التي كان بعض الأصدقاء -أحيانا المشتركين بيني وبينه- يصرحون لي بها تجاهه، إلا أنني ظللت أنكر آراءهم هذه وأنفيها وأرفض خدش صورة الأستاذ حمدين صباحي كوجه ناصري ثابت على المبدأ وأراه ذات الزعيم الطلابي المبدئي الشجاع الذي وقف يوما جاهرا بالحق في وجه حاكم جائر.
وحين تفتحت أزهار ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١، لاحظت- حسب ظني- أنها فاجئت الأستاذ حمدين ومعظم جيله من السياسيين من مختلف التيارات، لكنهم جميعا هرعوا إلى اللحاق بها والتواجد في ميادينها، ولم أر بأسا في ذلك.
وحين عقدت أول انتخابات رئاسية حقيقية في تاريخ الجمهورية ( والأخيرة حتى هذه اللحظة) رأيت - كناخب- ان جيل حمدين وأبو الفتوح من المناضلين السياسيين قد جاء دوره أخيرا ليحمل راية قيادة هذا البلد الذي دفعوا شبابهم ساعين إلى صنع غده على نحو أفضل، كل حسب معتقده وتوجهاته، كما رأيت- كناخب ومواطن- أن حمدين وأبو الفتوح يمثلان أهم تيارين سياسيين حقيقيين تواجدا في الشارع المصري على مدار عقود طويلة، ولما كان التيار الذي يمثله الاستاذ حمدين هو الأقرب لمعتقداتي السياسية كان من الطبيعي والمنطقي أن أمنحه صوتي في تلك الانتخابات دون تردد، بل ازعم أنني ساهمت في إقناع بضع عشرات من الدوائر المحيطة بي بمنح أصواتهم له.
ثم انتهت الانتخابات بالنتيجة المعروفة، ومر عام اراه من أكثر الأعوام غرابة و التباسا في تاريخ مصر السياسي الحديث، وشاهدت الأستاذ حمدين في أحد البرامج التلفزيونية مصرحا بأنه: " أنا رئيس مصر القادم"
فسألته المذيعة مستوضحة:
"قصد حضرتك بعد اربع سنين طبعا"
فابتسم ابتسامة جانبية غامضة مجيبا: " ويمكن قبل كده"
فكررت السؤال مندهشة، فكرر ذات الإجابة مصحوبة بذات الابتسامة!
مرت شهور شاهدنا خلالها وجوها سياسية تتزاحم حول الميكروفونات على منصة ما سمي بجبهة الإنقاذ، وكان بينها دائما وجه الاستاذ حمدين، حتى كان المشهد الشهير لمنصة ٣ يوليو والتي لم يغب عنها- أيضا- الأستاذ حمدين!
ثم عام من " الديكور الانتقالي" ثم شاهدنا " انتخابات رئاسية" لم يتقدم للترشح فيها أمام وزير الدفاع سوى الاستاذ حمدين، رغم مناشدات عريضة ونصائح مخلصة من شخصيات مصرية وعربية لها وزنها وقيمتها ونزاهتها في عالم السياسة للاستاذ حمدين بألا يكون طرفا في هذه اللعبة، لكنه أقدم، وكانت النتيجة، الواضحة مسبقا، كما رأينا جميعا، بل وفاجأنا " صناع النتيجة" ، بل واظن فاجئوا الاستاذ حمدين شخصيا، بأن وضعوه في المركز الثالث في انتخابات بين شخصين فقط، لا أدري- أو أدري طبعا- إمعانا في ماذا؟!!!
تركت هذه المواقف في نفس طالب الثانوي الذي كنته، والذي مازال يسكنني، المعجب بشجاعة وشخصية الأستاذ حمدين، تركت أثرًا غير طيب، بل وجفوة تجاهه ( دون سابق لقاء أو معرفة شخصية) وكأنه صديق كان عزيزًا وقررتُ أن أقاطعه!
حتى كان أن تلقيتُ وزوجتي دعوة كريمة علي العشاء في أحد البيوت الوطنية والعروبية الكريمة، وكانت الدعوة على شرف زيارة أحد أساتذتي الكبار في النضال القومي العربي للقاهرة وبصحبته أخت غالية ورفيقة نضال قديم منذ سبعينيات لبنان المجيدة، وكانت الدعوة أيضًا بمناسبة مئوية الزعيم الراحل - الحاضر جمال عبد الناصر إذ كانت في ١٥ يناير ٢٠١٨.
أسررت لزوجتي ونحن في طريقنا لتلبية الدعوة بتوقعي لحضور الأستاذ حمدين حيث تصورت من طبيعة المناسبة وأصحاب الدعوة الكريمة أن يكون وجوده منطقيًا، وأبديت لزوجتي توجسي من هذا الاحتمال فاندهشت معلقة: " طيب ما هو انت لا تعرفه ولا يعرفك، لو تواجد عادي مالنا به؟"
وصلنا للبيت الكريم فاستقبلنا بكرم وبشاشة صاحب وصاحبة البيت وضيفتهما رفيقة الشباب الأخت العزيزة المناضلة اللبنانية والتي صارت من أبرز قيادات الحركة الوطنية اللبنانية والقومية العربية معًا، وتوالى حضور قامات فكرية وسياسية وطنية وقومية مرموقة،ثم: الأستاذ حمدين بطلته اللامعة وابتسامته العريضة المرحبة، فنظرت لزوجتي فوجدتها تبادلني النظر في دهشة وترقب! ثم جاء وصول ضيف الشرف الكبير مخففًا لتوتري ، بل ومدخلًا على نفسي بهجة عظيمة بحضور أستاذي المفكر والمناضل العربي الكبير، والذي تلقاني بالأحضان وأعاد تعريف الحاضرين بي بفخر كبير ذكرني بفخر أب بابنه، بالطبع لفت اسم والدي نظر أغلب الحضور ومنهم الأستاذ حمدين الذي كان أحد قيادات الحركة الطلابية في السبعينيات حين كان أبي مديرًا لتحرير روز اليوسف التي انحازت وقتها للشباب ففتحت أبوابها وصفحاتها لعدد من قياداتهم في ذلك الوقت.
دار الحديث وتحول إلى ما شبه الندوة حيث طلب الضيف الكبير من عدد من الحضور البارزين التحدث وشرح تحليلاتهم للوضع العام محليًا وعربيًا ودوليًا، وبالفعل دارت أحاديث وتحليلات عالية القيمة والفائدة، ثم قمنا للعشاء، ولاحظ أستاذي الكبير صمتي طول الوقت فاقترب مني قائلًا: " كنا نحب سماع صوتك اليوم" فأجبته بأن الاستماع إلى كل هؤلاء الكبار كان أفيد لي بكل تأكيد.
بعد العشاء التقت نظراتنا - الأستاذ حمدين وأنا - أكثر من مرة فكان في كل مرة يبتسم لي مرحبًا، ثم بادرني بالحديث مشيدًا بوالدي رحمه الله فوجدت نفسي فجأة أقول له: شوف يا أستاذ حمدين، بصراحة... وانطلقت استعرض له كل ما ذكرته لكم من أول سطوري هذه بدءا بوقفته الشجاعة أمام السادات مرورًا بانتخابي له وصولًا لما سمي بـ " انتخابات الرئاسة ٢٠١٤" ، أخذ ينصت مبتسمًا ومتفهمًا ثم مضى يشرح لي أنه شارك في تلك " الانتخابات" بعد تردد وتحت ضغط شباب الحزب، لكنه وافقني، أو علي الأقل أبدى تفهمًا لاعتراضي، ثم مضى حديث قصير ودي انتهى بأن تفضل من جانبه بإعطائي رقم تليفونه فأعطيته رقمي وتبادلنا الأحضان فوجدت زوجتي على مسافة تنظر مندهشة، ولم تكن قد سمعت ما دار بيننا من حديث قصير، فناديت عليها قائلًا على مسمع منه: " خلاص تصالحنا"! بل وطلبت منها التقاط صورة تجمعنا معًا!!!
مرت شهور وبضع سنوات تابعت خلالها مواقف الأستاذ حمدين أحيانًاالتي راوحت بين الجهر مجددًا بالمعارضة الصريحة، وبين ما دون ذلك أحيانًا، ولم أتابعها أحيان أخرى، لكني صادفته مرة أخرى في مناسبة عقد قران في أحد المساجد ، فوجدتني لا شعوريًا ودون سبب محدد أتجنب أن يراني، رغم أنه ربما بل غالبًا سيكون قد نسي شكلي، ولم أبادر بالتوجه نحوه حتى انصرفنا.
حتى كان شهر رمضان الماضي ، وبالقرب من نهايات الشهر الكريم شاهدنا جميعًا ما سمي بـ" إفطار الأسرة المصرية" والذي لبى الدعوة إليه الأستاذ حمدين والأساتذة خالد داوود وطارق العوضي، وتبودلت في الأحضان والقبلات والشد على الأيدي! أثار هذا الموقف جدالًا كبيرًا بين مؤيد ومعارض، بين اتهامات بالخيانة والتفريط، وبين مدافعين مبررين بأنها خطوة لانفراج سياسي قادم وأنها شجاعة وتضحية زهيدة إذا كان مقابلها الإفراج عن المعتقلين السياسيين وتخفيف الضغط الخانق على الحريات السياسية الموءودة.
بل أن البعض أطلق التهديدات النارية محذرًا من المزايدة على هذا " الموقف الشجاع" وأنه ليس للقابعين في بيوتهم " بأمان" أن يزايدوا على موقف قد يحرر أبناء مصر الرازحين تحت نير الزنازين.
عن نفسي كمواطن توسمت وجهة النظر الأخيرة هذه، وإن كان ذلك بتحفظ وترقب ومن منطلق أن الحدأة لا تلقي بالكتاكيت، وأنه - إن فعلت- فسيكون ذلك تحت ضغوط وأسباب أخرى، خارجية وداخلية، ليس من بينها الابتسامات والأحضان والشد علي الأيادي، لكني على أية حال سكتت احترامًا للأمل الذي يراود آلاف البيوت المصرية في عودة المغيبون خلف القضبان، وهو أمل أنحني له احترامًا وإجلالًا ، بل وأشاركهم فيه بكل حواسي.
واستبشرت بعض الخير حين تم الإفراج عن حسام مؤنس واثلجت صدري صورته خارج الأسوار ومعه والدته الصابرة... وفي الصورة الأستاذ حمدين بابتسامته الشهيرة، "لقطة" بالتأكيد تاريخية...
ثم.... صمت أظنه طال، خاصة ونحن نرى زهرة شباب مصر وشيوخها مازالوا بالآلاف خلف القضبان، بل وما زالت حتى يومنا هذا تصدر الأحكام بالسجن ضد بعضهم، فضلًا عن التجديد السرمدي للحبس الاحتياطي! وكذلك تزايد أعداد المضربين عن الطعام دون استجابة جادة لمطالبهم!
أطلت كثيرًا ولا نهاية لما يضيق به صدري، ما الهدف من كل هذه السطور؟ فقط مجرد " فضفضة" كما أشرت في البداية، وأتمنى أن أسمع اليوم قبل غد أخبار الإفراج عن الآلاف من أعرف وممن لا أعرف من سجناء الرأي، ممن ينتمون إلى تيارات أؤيدها وتيارات أعارضها
أتمنى أن أرى صفحات آل سيف وسويف والأستاذة إكرام يوسف وغيرهم مزدانة بصور الغائبين وقد عادوا إلى دفء البيوت، ولا يشغلني إثبات صحة أو خطأ ظنوني وهواجسي علي الإطلاق. هي فقط خواطر وفضفضة بمكنونات صدري تجاه أحد " أبطالي الشعبيين" بوصفي طالب ثانوي لا يخلو من سذاجة بكل تأكيد.
طارق فهمي حسين
٢٣ مايو ٢٠٢٢

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق